
ناجي الغزي/كاتب وسياسي
في لحظات الانسداد السياسي، لا تختار الأنظمة أفضل الخيارات، بل أكثرها قابلية للاستمرار. من هنا يبرز أسم "علي الزيدي" بوصفه نتاج أزمة لا حلّها. رجل اقتصاد يُستدعى إلى قلب منظومة سياسية استنفدت أدواتها. في وقت يقف العراق عند تقاطع ثلاثة ضغوط متزامنة: اختناق اقتصادي بنيوي، بيئة إقليمية متحركة عالية المخاطر، ونظام سياسي منهك بفعل التنازع الحزبي.
في مثل هذه اللحظات، يظهر "مرشح التسوية" كأداة لإدارة التوازنات، لا كرافعة تغيير بحدّ ذاته.
لكن هذا التحول في طبيعة الاختيار لا يعكس فقط تبدّلاً في الأسماء، بل يكشف عن أزمة أعمق في بنية النظام نفسه، الذي بات عاجزاً عن إنتاج حلول من داخله، فلجأ إلى استيراد نموذج مختلف، علّه ينجح حيث فشلت الأدوات السياسية التقليدية.
لكن هذا الرهان يفتح باباً واسعاً من التساؤلات: هل يمكن لعقل اقتصادي أن يدير منظومة سياسية معقدة تحكمها التوازنات والمحاصصة؟ وهل يمتلك الزيدي القدرة على التحول من ادارة المصالح إلى صناعة القرار السيادي؟
نجاحه لن يُقاس بخبرته الاقتصادية، بل بقدرته على التعامل مع شبكة معقدة من الضغوط الداخلية والخارجية، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، وتتشابك الدولة مع مراكز القوى، ويصبح القرار التنفيذي رهينة لتوازنات دقيقة. ودخول الزيدي إلى هذا الموقع لا يمثل مجرد تكليف جديد، بل هو اختبار مزدوج، اختبار لرجلٍ قادم من خارج المنظومة السياسية، واختبار لنظامٍ يحاول إعادة إنتاج نفسه بأدوات مختلفة. وبين هذين الاختبارين، يتحدد إن كان هذا الرهان بداية تحول حقيقي… أم مجرد فصل جديد في إدارة الأزمات.
*لماذا الزيدي الآن؟*
بعيداً عن التفاصيل الشخصية المتضاربة، يمكن اختزال مسار رئيس الوزراء المكلف "علي فالح الزيدي" كونه رجل اقتصاد نشأ داخل فضاء "الاقتصاد الموازي"، حيث تتقاطع المصالح بين المال والسياسة والإدارة، لا ضمن المسار السياسي التقليدي القائم على التدرج الحزبي أو البرلماني. هذه الخلفية ليست تفصيلاً ثانوياً، بل مفتاح لفهم طبيعة اختياره.
تكليف الزيدي يرتبط بثلاثة محددات حاكمة:
أولاً: إنهاك النموذج الحزبي التقليدي وفقدانه القدرة على إنتاج بدائل مقنعة. ثانياً: الحاجة إلى شخصية غير تصادمية يمكن أن تشكل نقطة توازن بين أطراف متنافسة. ثالثاً: تصاعد ضغط العامل الاقتصادي الخارجي، حيث باتت العلاقة مع النظام المالي الدولي وإدارة ملف الدولار عنصراً حاسماً في تشكيل السلطة التنفيذية.
ضمن هذا السياق، يعكس تكليفه تحولاً في شكل الحكم، من حكومة حزبية صريحة إلى واجهة تكنو-اقتصادية، ومن شرعية انتخابية إلى شرعية أداء، ومن هيمنة مباشرة للأحزاب إلى هيمنة غير مباشرة عبر شبكات المصالح. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة إصلاحاً، بل قد يكون إعادة تموضع للنظام نفسه بأدوات مختلفة.
المشهد الذي رافق التكليف، بهدوئه اللافت وانسيابية مواقفه، لا يمكن قراءته كحالة توافق طبيعي، بل كتوازن مُدار بعناية. هذا الارتياح الظاهر لدى مختلف القوى، داخلياً وخارجياً، لا يعكس بالضرورة انسجاماً حقيقياً، ويشير إلى إعادة تنظيم الصراع بدل إنهائه.
السؤال الجوهري إذن ليس لماذا اختير الزيدي، بل ماذا سيُفعل بهذا الاختيار؟
هل نحن أمام فرصة لإعادة ضبط مسار الدولة، أم مجرد آلية لتجميد التناقضات؟
التحدي الحقيقي لا يكمن في تشكيل الحكومة، بل في قدرتها على كسر منطق التوافقات الذي أعاد إنتاج الأزمات. بين لحظة تأسيس محتملة ولحظة تأجيل أخرى، يبقى الفيصل هو القدرة على تحويل التوافق الصامت إلى قرار سيادي فعّال.
*السيناريوهات المحتملة والتحدي الحقيقي*
يتحرك تكليف علي الزيدي ضمن ثلاثة مسارات استراتيجية متباينة:
أولاً: سيناريو الإدارة المقيدة: حيث يضطلع بدور مدير تنفيذي لمنظومة قائمة، يدير توازناتها دون أن يمتلك القدرة على إعادة تشكيلها. في هذا المسار، تبقى مراكز النفوذ الحزبي ممسكة بمفاصل القرار، ويتحول الإصلاح إلى تحسينات هامشية لا تمس جوهر الاختلال.
ثانياً: سيناريو العبور المؤقت: أن يُستخدم كأداة لامتصاص الضغط السياسي وإدارة لحظة الانسداد، بانتظار إعادة ترتيب موازين القوى. هنا يصبح التكليف وظيفة ظرفية، لا مشروع حكم، ويظل بقاء الرجل مرهوناً بقدرته على التكيّف أكثر من قدرته على الإنجاز.
ثالثاً: سيناريو التحول المشروط: وهو المسار الأكثر تعقيداً، حيث يحاول توظيف هامش استقلاله لبناء نموذج حكم مختلف، ينطلق من تحرير القرار التنفيذي من هيمنة الكتل السياسية، وإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والاقتصاد. لكنه مسار يتطلب صداماً محسوباً مع بنية قائمة على تقاسم النفوذ. غير أن جوهر التحدي لا يكمن في كفاءة الزيدي، بل في طبيعة البيئة التي سيعمل داخلها. فالإشكالية ليست في صياغة السياسات، بل في القدرة على فرضها داخل دولة تتنازعها مراكز قوى متجذرة. السؤال الحاسم: هل سيتمكن من تحويل خبرته الاقتصادية إلى سياسة مالية للدولة، أم ستبقى محصورة في إدارة أعمال داخل نظام مغلق؟ في النهاية، لا يُختبر الزيدي وحده، بل يُختبر النظام السياسي ذاته: وهل يملك قابلية التكيّف مع نموذج حكم مختلف، أم أنه سيعيد إنتاج نفسه مهما تبدلت الوجوه؟
إرسال تعليق