عاجل
جاري تحميل الأخبار...

​الثرثار من خزان فيضانات إلى مفتاح الحل للأمن المائي والبيئي في العراق


الشيخ احمد الفرطوسي  

لم تعد ازمة المياه في العراق مسألة فنية بل تحولت الى تحد وجودي يرتبط بالامن الوطني والاستقرار البيئي ومع تراجع الاطلاقات المائية عبر دجلة والفرات بفعل سياسات دول المنبع وتغير المناخ صار لزاما اعادة النظر جذريا في ادارة الموارد المائية الداخلية وفي مقدمتها بحيرة الثرثار  

صمم مشروع الثرثار وفق رؤية المهندس William Willcocks كمنظومة لحماية العراق من الفيضانات في زمن الوفرة اما اليوم فقد انعكست المعادلة واصبح التحدي هو ادارة الندرة لا الفائض بينما ما تزال الادوات اسيرة مفاهيم الماضي ورغم ما يثار حول الضائعات الكبيرة بالتبخر والتسرب فان المشكلة ليست في وجود الثرثار بل في غياب التأهيل والتحديث فالعراق يمتلك منظومة منخفضات طبيعية مثل الحبانية والرزازة يمكن ان تشكل بديلا واقعيا ومرنا عن السدود الكبيرة اذا ما اعيد توظيفها ضمن رؤية حديثة  مفتاح الحل يكمن في اعادة تأهيل بحيرة الثرثار لتكون خزانا استراتيجيا ذكيا عبر عزل الطبقات الجبسية ومنع تفاعلها مع المياه العذبة تقليل التسرب العميق الذي يفاقم تملح المياه الجوفية ضبط المناسيب التشغيلية لتقليل مساحة التبخر وادارة نوعية المياه بشكل ديناميكي ولا يقتصر الاثر على تحسين الخزن السطحي بل يمتد الى معالجة واحدة من اخطر مشاكل العراق وهي تملح المياه الجوفية والتملح الثانوي لترب السهل الرسوبي الناتج عن ارتفاع مناسيب المياه الجوفية وتسرب الاملاح  بالتوازي يبرز البعد البيئي من خلال انشاء احزمة خضراء حول البحيرات بما يحول جزءا من الفاقد المائي الى تبخر نتحي فعال يسهم في تنشيط الدورة الهيدرولوجية المحلية ويقلل العواصف الغبارية ويحسن المناخ المحلي ويثبت التربة ويدعم التوازن البيئي في المناطق المحيطة  من المهم التأكيد على حقيقة علمية غالبا ما يساء فهمها وهي ان التبخر يعد احد اهم مكونات الدورة المائية فبالرغم من انه قد ينظر اليه كخسارة الا انه يمثل عنصرا اساسيا في تفعيل الدورة حيث يساهم في زيادة الرطوبة الجوية ودعم فرص الهطول وتقليل ارتفاع درجات الحرارة على مستوى المنطقة ومن هنا فان ادارة التبخر لا تعني الغاءه بل توجيهه ليكون جزءا من نظام بيئي منتج  هذا التوجه يكتسب اهمية مضاعفة في ظل المؤشرات المناخية التي تشير الى احتمال دخول المنطقة في دورة رطبة نسبية حتى عام ٢٠٣٠ ما يوفر فرصة ذهبية لتعظيم الخزن اذا ما احسن استثمارها والبعد الذي غالبا ما يغفل هو ان اعادة تأهيل هذه البحيرات لا يحقق مكاسب مائية وبيئية فقط بل يفتح الباب امام تحول نوعي في القطاع السياحي الداخلي فبعد التأهيل يمكن ان تتحول الثرثار والحبانية والرزازة الى من افضل المنتجعات السياحية في العراق عبر تطوير الواجهات المائية وانشاء مرافق ترفيهية واستثمار الاحزمة الخضراء كمناطق جذب طبيعية ودعم السياحة العائلية والبيئية وبذلك تتحول هذه المشاريع من عبء مائي الى محرك اقتصادي وتنموي يعزز فرص العمل ويدعم الاقتصاد المحلي  ان الجمع بين التأهيل الهندسي والادارة المائية الذكية والمعالجة البيئية والاستثمار السياحي يشكل نموذجا متكاملا لادارة الموارد في العراق بحيرة الثرثار ليست مجرد خزان بل يمكن ان تكون مفتاح الحل لازمة المياه ونواة لاحياء البيئة ومنصة لتنمية اقتصادية مستدامة في زمن التحديات لا يكفي ان نشخص المشكلة بل يجب ان نعيد اكتشاف الفرص الكامنة في مواردنا نفسها

تعليق

أحدث أقدم