
كتب رياض الفرطوسي
تقوم القراءة الواقعية للمشهد السياسي العراقي على تفكيك عناصر القوة وتحولاتها، بعيداً عن الرصد الإخباري العابر. وفي هذا الإطار، تبرز بعض الحركات السياسية بقدرتها العالية على إحداث صدمات إيجابية في بنية النظام من خلال تبني مواقف استثنائية وغير مألوفة، مثل مراجعة الخطاب العام، وتنقية الماكينة التنظيمية، ومحاولة إعادة ترتيب السلاح في سياق الدولة. هذه الديناميكية تمنح أصحابها ميزة تنافسية كبرى، وتضعهم في موقع الصدارة والقدرة على المبادرة مقارنة بالقوى التقليدية المستغرقة في التنافس على المغانم الآنية؛ وهو ما دفع العديد من مراكز الأبحاث الغربية، ومنها تحليلات "مؤسسة بروكينغز" و"معهد واشنطن"، إلى قراءة هذه التحولات بوصفها محاولات جادة لامتلاك زمام المبادرة الوطنية وصناعة توازن محلي وإقليمي جديد. ومع ذلك، فإن هذا التفوق التنظيمي والجماهيري يصطدم دائماً بجدار "المحددات الاجتماعية والثقافية". فالقدرة على التحشيد والانضباط، رغم أهميتها، تبقى محصورة في إطار التعبير عن شريحة معينة بطبيعتها النفسية والفكرية والطبقية. إن هذا التماهي الكامل بين الحركة وجمهورها الخاص يمثل التحدي الأكبر؛ إذ يجعل الخطاب السياسي، مهما بلغت درجة عقلنته أو مرونته، عاجزاً عن التمدد الطبيعي نحو الفئات الاجتماعية الأخرى، كالنخب الأكاديمية والشرائح المدنية والمكونات المتنوعة، التي ما زالت تنظر بحذر إلى إرث ثقافة الشارع وأدواتها. وهنا يكمن المفصل الفكري للأزمة: فالقوة الجماهيرية المغلقة قد تضمن الفوز الانتخابي والوصول إلى السلطة، لكنها لا تضمن بالضرورة النجاح في إدارة الدولة، لأن إدارة مجتمع كالتنوع العراقي تتطلب فضاءً سياسياً عابراً للخصوصيات العقائدية. بناءً على ذلك، فإن العبور من ضفة "التيار المتماسك" إلى ضفة "المشروع الوطني الإنقاذي" يتطلب ما هو أبعد من التموضع التكتيكي والقرارات الجريئة؛ يتطلب القدرة على الاستقطاب الأفقي وصناعة مساحات مشتركة تطمئن الشركاء والفرقاء على حد سواء. إن صناعة النجاح السياسي الحقيقي في العراق مشروطة بحدوث تحول في فلسفة الحكم، والانتقال من منطق المحاصصة والزبائنية وتغلغلها في الوزارات الخدمية، إلى منطق المؤسسة والمواطنة. إذا نجحت هذه الديناميكية السياسية في الانفتاح على الفضاء الوطني الشامل واستيعاب الطاقات والكفاءات من خارج أسوار القواعد التقليدية، فإنها لن تحقق نصراً سياسياً مؤقتاً فحسب، بل ستتحول إلى قوة تغيير حقيقية قادرة على صياغة عقد اجتماعي جديد ينقذ الدولة من تصدعاتها البنيوية ويمنحها الاستقرار المستدام.
إرسال تعليق