
د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
حين تُستهدف منشأة تابعة لـ«أرامكو» السعودية، لا يجوز أن نتوقف عند سؤال: أين سقط الصاروخ أو المسيّرة؟
السؤال الحقيقي هو: مَن أراد أن يسمع الرسالة؟ ومَن أراد أن يدفع ثمنها؟
فالنفط في الخليج ليس مجرد مورد اقتصادي، بل هو أحد أعمدة القوة السياسية والاستراتيجية. ولذلك فإن الاقتراب من منشآت «أرامكو» يحمل رسالة تتجاوز حدود اليمن والسعودية: نستطيع أن نقترب من الخاصرة الاقتصادية، وأن نجعل الأمن والطاقة جزءاً من معادلة الصراع.
وهنا تبدأ الخطورة.
الحوثيون يرفعون سقف الرسالة ويريدون القول للرياض إن الحرب لا تُقاس فقط بما يحدث على الأرض اليمنية.
إذا كان الضغط يمكن أن يصل إلى اليمن، فإن الرد ـ وفق منطقهم ـ يمكن أن يصل إلى المصالح الحيوية المرتبطة بخصومهم.
إنها محاولة لفرض معادلة جديدة فالأمن السعودي مقابل الأمن اليمني، والطاقة مقابل الطاقة، والضغط مقابل الضغط.
لكن هذه المعادلة، مهما كانت دوافعها، تحمل خطراً كبيراً؛ لأنها تنقل الصراع من ساحات المواجهة التقليدية إلى المنشآت الحيوية والاقتصاد والطاقة، وتفتح الباب أمام تصعيد يصعب التحكم بنتائجه.
ومن خلف المشهد تقف إيران، هنا لا بد من التمييز بين أمرين، الحوثيون ليسوا مجرد أداة تتحرك بالريموت كونترول، ولديهم حساباتهم ومصالحهم وقرارهم السياسي والعسكري.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن فصل ما يجري عن الصراع الإقليمي الأوسع بين إيران وخصومها، ولا عن شبكة التحالفات التي تجعل البحر الأحمر والخليج جزءاً من معركة نفوذ تمتد من اليمن إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان.
ولهذا فإن كل ضربة حوثية لا تُقرأ في الرياض وحدها؛ بل تُقرأ أيضاً في طهران وواشنطن وتل أبيب والعواصم الخليجية.
السعودية أمام اختبار صعب فالرياض اليوم أمام معادلة دقيقة جداً.
إن ردّت بقوة مفرطة، فقد تمنح خصومها الذريعة لتوسيع المواجهة.
وإن اكتفت برد محدود، فقد يحاول الحوثيون تقديم ذلك باعتباره نجاحاً لمعادتهم الجديدة.
أما الخيار الأكثر عقلانية فهو أن تحاول السعودية إعادة بناء الردع من دون تحويل الضربة إلى حرب إقليمية مفتوحة.
وهذا يتطلب سياسة أكثر من حاجته إلى الصواريخ.
وماذا عن الولايات المتحدة؟
واشنطن لا تستطيع النظر إلى استهداف منشآت الطاقة السعودية باعتباره شأناً سعودياً داخلياً.
أمن الطاقة، الملاحة في البحر الأحمر، أمن الخليج، والعلاقة الأمنية مع الرياض كلها ملفات مرتبطة بالمصالح الأميركية.
لكن الولايات المتحدة تعرف أيضاً أن الدخول في حرب مفتوحة مع الحوثيين، أو تحويل اليمن إلى جبهة جديدة في صراع إقليمي أوسع، قد ينتج نتائج عكسية.
لذلك فإن السؤال الأميركي لن يكون فقط: كيف نرد؟
بل كيف نرد من دون أن نفتح جبهة جديدة لا نعرف أين تنتهي؟
وهنا يدخل لبنان إلى المشهد ، فلن يكون بعيداً عن هذه المعادلة.
كلما اتسع الصراع بين إيران وخصومها، ارتفعت أهمية الساحة اللبنانية في الحسابات الإقليمية.
ولهذا فإن ما يجري في اليمن والبحر الأحمر والخليج لا يمكن قراءته بمعزل عن مستقبل لبنان، ولا عن مستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، ولا عن المفاوضات والضغوط الدولية والإقليمية التي تحيط بلبنان.
لبنان قد لا يكون صاحب القرار في هذه المواجهة، لكنه قد يكون أحد ساحاتها إذا فشل اللاعبون الإقليميون في ضبط قواعد الاشتباك.
وهنا تكمن المأساة اللبنانية.
نحن بلد صغير، واقتصاده منهك، وشعبه دفع أثماناً هائلة من الحروب والأزمات، ومع ذلك ما زال لبنان يُعامل في كثير من الأحيان كـ«ساحة» في صراعات الآخرين.
الرسالة الأخطر في استهداف أرامكو ليست حجم الضرر الذي وقع.بل أن المنطقة تتحول تدريجياً إلى شبكة من الأهداف المتبادلة، منشأة نفطية هنا، سفينة هناك، قاعدة عسكرية في مكان آخر، ومصالح اقتصادية تتحول إلى أوراق تفاوض بالنار.
وهكذا يصبح الأمن الإقليمي رهينة لحسابات متعددة الأطراف، بينما يدفع المواطن العربي الثمن.
الحوثيون أرادوا أن يقولوا للرياض، نستطيع الوصول.
وإيران، إن استفادت من المشهد، تريد أن تقول لخصومها ، الجبهات المتاحة أمامكم ليست بلا حدود.
والولايات المتحدة تريد أن تحافظ على نفوذها من دون الغرق في حرب جديدة.
أما السعودية، فتريد حماية أمنها واقتصادها من دون العودة إلى مستنقع حرب طويلة.
وبين هذه الحسابات كلها يقف لبنان، ومعه دول وشعوب المنطقة، أمام سؤال واحد:
إلى متى ستبقى منطقتنا تدفع ثمن صراعات تُدار بالوكالة، بينما تتحول مصالح الشعوب وأمنها واقتصادها إلى أوراق على طاولة المفاوضات؟
لقد حان الوقت لكي تتوقف الدول العربية عن أن تكون مجرد ساحات لتبادل الرسائل، وأن تصبح هي التي تكتب شروط الأمن والسلام في منطقتها.
إرسال تعليق