
كاتب: د. قدير غولكاريان، باحث في شؤون الدراسات الشرق أوسطية
ترجمة: د. فاضل علي،
في تاريخ العلاقات الدولية، لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ والطائرات والأهداف المدمَّرة فحسب، بل إن المعيار الأساسي هو مدى تحقق الأهداف السياسية. فإذا لم تستطع الحرب فرض الإرادة السياسية لدولة ما على الطرف المقابل، فإن أكبر تفوق عسكري لا يعني بالضرورة النصر. لهذا السبب، وبعد أشهر من المواجهة بين أمريكا وإيران، لم يعد هذا السؤال مطروحاً في طهران أو المنطقة فحسب، بل تشكّل هذا النقاش في الغرب نفسه: هل حققت واشنطن أهدافها الاستراتيجية، أم أن هذه الحرب، أكثر من أي شيء آخر، وضعت مصداقية القيادة الأمريكية في النظام الدولي على المحك؟
في الأسابيع الأخيرة، قدّمت بعض وسائل الإعلام الغربية المرموقة، ومنها نيويورك تايمز، استناداً إلى آراء دبلوماسيين وخبراء أمنيين، تقييماً مختلفاً لمسار هذه الحرب. والمحور المشترك في هذه التقييمات هو أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، لم تتمكن بعد من تحقيق إنجاز سياسي يتناسب مع التكاليف التي تكبدتها. وهذا التقييم، بصرف النظر عن مدى تطابقه مع الواقع، يكشف عن تحول مهم: أن الأوساط التحليلية الغربية نفسها باتت تميّز بين "القوة العسكرية" و"النجاح الاستراتيجي".
يذكّرنا هذا الأمر بأحد المبادئ المعروفة في علم السياسة؛ فالحرب أداة للسياسة وليست بديلاً عنها. وتكتسب القوة العسكرية قيمتها الاستراتيجية عندما تفضي إلى نتيجة سياسية مستقرة ومقبولة. وإلا، تتحول الحرب إلى عملية باهظة التكلفة لا تحقق الأهداف الأولية فحسب، بل قد تقلّص أيضاً من مصداقية ونفوذ من بدأها.
من أبرز المسائل التي استحوذت على اهتمام المحللين في الأزمة الأخيرة، مكانة مضيق هرمز. فهذا الممر المائي ليس مجرد طريق لنقل الطاقة؛ بل يُعدّ من أهم العُقد الجيوسياسية في العالم. وأي اختلال في أمنه لا يؤثر على سوق النفط فحسب، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل إمداد البضائع وحسابات القوى الكبرى الأمنية. من هنا، فإن هرمز بالنسبة لإيران ليس مجرد موقع جغرافي، بل هو جزء من معادلة الردع وأحد أهم أدوات التأثير في التفاعلات الإقليمية والدولية.
والأهم من ذلك هو التحول التدريجي في نظرة حلفاء أمريكا إلى دور واشنطن. ففي أدبيات العلاقات الدولية، لا تقتصر القوة على امتلاك المعدات المتطورة أو الميزانية العسكرية الضخمة. بل إن "المصداقية" هي أحد أهم مكونات القوة؛ أي أن يثق الحلفاء بأن تعهدات القوة مستقرة وقابلة للتنبؤ ويمكن الاعتماد عليها. وإذا تضررت هذه الثقة، فسيتعين على أكبر قوة عسكرية دفع تكاليف أكبر للحفاظ على نفوذها.
ويمكن تحليل سلوك كثير من دول المنطقة في السنوات الأخيرة من هذه الزاوية بالذات. فتوسيع العلاقات مع الصين وروسيا والهند وغيرها من القوى الصاعدة، إلى جانب تزايد الحوارات الإقليمية، ليس مجرد خيار اقتصادي أو دبلوماسي؛ بل هو مؤشر على أن الحكومات تعمل على تنويع خياراتها الأمنية. وهذا التوجه لا يعني بالضرورة قطع العلاقة مع أمريكا، لكنه يُظهر أن الاعتماد الحصري على قوة واحدة لم يعد يستجيب لتعقيدات عالم اليوم.
من جهة أخرى، فإن الخلافات الظاهرة بين واشنطن وتل أبيب حول كيفية مواصلة الحرب تحمل رسالة مهمة أيضاً. فقد أظهرت التجربة التاريخية أنه كلما طالت الحرب، ازدادت الخلافات حول أهدافها وتكاليفها وموعد انتهائها. وفي ظل هذه الظروف، قد يجد حتى أقرب الحلفاء تصورات متباينة لمصالحهم. وهذه ليست ظاهرة جديدة؛ فقد واجهت أمريكا تجربة مماثلة في فيتنام والعراق وأفغانستان.
ومن أهم دروس تلك الحروب أن التفوق العسكري لا يضمن النصر السياسي. فقد كانت أمريكا في كثير من تلك المعارك صاحبة اليد العليا عسكرياً، لكنها لم تتمكن من تحقيق الأهداف التي حددتها عند بدء الحرب. والسبب واضح؛ فالحرب تنتهي عندما يفقد الطرف المقابل إرادته، لا مجرد عندما يتضرر جزء من قدرته العسكرية.
وفي هذا السياق، لا ينبغي إغفال التحول الأكبر الذي يشهده النظام الدولي. فعالم اليوم لم يعد عالم تسعينيات القرن الماضي. فالبنية الأحادية القطب التي تشكّلت بعد نهاية الحرب الباردة أفسحت المجال تدريجياً لنظام أكثر تعقيداً؛ نظام تؤدي فيه القوى الصاعدة والفاعلون الإقليميون والتحالفات المتنوعة دوراً أكبر في تشكيل التحولات العالمية. وفي ظل هذه الظروف، أصبح الاستخدام المجرد للقوة الصلبة أقل فاعلية مقارنة بالماضي، وبات نجاح أي استراتيجية يعتمد أكثر من أي وقت مضى على مزيج ذكي من القوة العسكرية والدبلوماسية والاقتصاد والشرعية السياسية.
وفي هذا الإطار بالذات، يكتسب مفهوم "القوة الذكية" الذي طرحه جوزيف ناي أهمية متزايدة. فوفقاً لهذا الطرح، ليست أنجح الدول هي التي تمتلك القوة العسكرية فقط؛ بل تلك القادرة على تحقيق التوازن بين القوة الصلبة والقوة الناعمة. والقوة الناعمة تعني القدرة على الإقناع وبناء الثقة واستمالة الآخرين. وإذا ضعف هذا المكون، فقد لا تتحول حتى الانتصارات العسكرية إلى إنجاز سياسي مستدام.
والواقع أن أهم سؤال مطروح اليوم بشأن هذه الحرب ليس حجم الخسائر التي لحقت بهذا الطرف أو ذاك؛ بل هو أي صورة ترسمها هذه الأزمة لمستقبل النظام الإقليمي. هل تمكنت هذه الحرب من ترسيخ مكانة أمريكا كقوة لا تُنازَع، أم أنها، على العكس، دفعت الحكومات إلى استنتاج ضرورة توفير خيارات أكثر لتأمين أمنها؟ ولعل الإجابة عن هذا السؤال أهم من أي تقييم عسكري.
وإلى جانب هذه الاعتبارات جميعها، ثمة درس مهم لإيران أيضاً. فقد أظهرت التطورات الأخيرة أن القوة الوطنية لا تختزل في المعدات الدفاعية فقط. فالتماسك الداخلي، ورأس المال الاجتماعي، والقدرة الاقتصادية، والدبلوماسية النشطة، والحفاظ على الوحدة الوطنية، حلقات مكمّلة للردع. وكلما تعززت هذه المكونات، ازدادت قدرة الدولة على إدارة الأزمات وتقليص تكاليف المواجهة.
خلاصة
كشفت الحرب الأخيرة، بصرف النظر عن مآلها النهائي، حقيقة مهمة مجدداً: أن النصر في عالم اليوم لا يتحقق بالتفوق العسكري وحده. فالقوة الحقيقية هي القدرة على تحويل الإمكانات الدفاعية إلى إنجازات سياسية، والحفاظ على ثقة الحلفاء، وتعزيز الصمود الداخلي، والإدارة الذكية للأزمات. من هنا، فإن أهم ميدان لهذه المواجهة ليس سماء المنطقة أو مياه الخليج فقط، بل ساحة الإدراك والمصداقية الاستراتيجية.
ولعل هذا هو السبب في أن بعض الأوساط الغربية نفسها باتت تطرح اليوم سؤالاً: هل غيّرت الحرب إيران، أم أنها، أكثر من ذلك، غيّرت نظرة العالم إلى مكانة القيادة الأمريكية وقدرتها؟ التاريخ وحده سيقدم الإجابة النهائية، لكن ثمة نقطة واضحة منذ الآن؛ ففي القرن الحادي والعشرين، لن تُقاس الدول بقوتها العسكرية فقط، بل بمدى عقلانيتها في استخدام القوة، وقدرتها على الحفاظ على تماسكها الوطني، وقدرتها على بناء مستقبل مستقر لنفسها وللمنطقة.
إرسال تعليق