
بقلم/عامر جاسم العيداني
في السياسة لا تقرأ الاتفاقيات العسكرية من خلال نصوصها وحدها بل من خلال توقيتها والبيئة التي تولد فيها. فالتحالف الذي يبرم في زمن الاستقرار يختلف في دلالاته عن تحالف يعلن في وقت تتشابك فيه الأزمات وتزداد فيه احتمالات المواجهة العسكرية.
ومن هذا المنطلق فإن اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تستحق قراءة سياسية تتجاوز أهدافها المعلنة لأن توقيتها جاء في وضع إقليمي شديد الحساسية حيث تتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وتتبادل الأطراف رسائل الردع والضغط وسط مخاوف من تحول المناوشات الحالية إلى مواجهة أوسع.
ولذلك يبرز سؤال جوهري: هل جاء توقيت الاتفاقية مناسبا أم أنها وقعت في قلب عاصفة إقليمية قد تجعلها تواجه اختبارات مبكرة؟
فالسعودية ترتبط بشراكة استراتيجية وعسكرية مع الولايات المتحدة وتوجد على أراضيها قواعد ومنشآت وتسهيلات عسكرية أمريكية وإذا استخدمت هذه المنشآت في أي عمليات ضد إيران فقد تعتبرها طهران جزءا من مسرح العمليات بغض النظر عن مستوى المشاركة السعودية. وعندها قد تجد اتفاقية الدفاع المشترك نفسها أمام أول اختبار عملي بما يفتح الباب أمام احتمال دخول تركيا وباكستان في أزمة لم تكونا طرفا مباشرا في أسبابها.
كما أن الملف اليمني لم يغلق بصورة نهائية وما تزال تداعياته الأمنية قائمة وهو ما يعني أن الاتفاقية ولدت في بيئة إقليمية مضطربة لا في منطقة تنعم بالاستقرار الذي تحتاجه التحالفات الدفاعية بعيدة المدى.
غير أن أكثر ما يثير التساؤلات هو الموقف الباكستاني فقد برزت إسلام آباد خلال الأشهر الماضية كواحدة من الدول التي حافظت على قنوات اتصال مع كل من واشنطن وطهران ورأى فيها كثير من المراقبين طرفا يمكن أن يؤدي دور الوسيط أو الميسر للحوار في أوقات التوتر. وإذا صح هذا التقدير فإن انضمامها إلى اتفاقية دفاع مشترك مع دولة قد تصبح جزءا من أي مواجهة مستقبلية يثير تساؤلات حول مدى تأثير ذلك في قدرتها على الاستمرار بهذا الدور أو في نظرة الأطراف الأخرى إلى حيادها السياسي.
أما تركيا فهي الأخرى تمتلك شبكة معقدة من العلاقات مع مختلف القوى الإقليمية والدولية ما يجعل دخولها في أي التزام دفاعي جديد خطوة تحمل أبعادا تتجاوز الجانب العسكري إلى إعادة رسم التوازنات السياسية في المنطقة.
لكن ثمة قراءة أخرى لا تقل أهمية وهي أن الاتفاقية قد لا تكون موجهة حصرا إلى تداعيات المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية وإنما إلى مرحلة ما بعدها.
فإذا تراجعت حدة الصراع بين واشنطن وطهران فقد تعيد القوى الإقليمية ترتيب أولوياتها الأمنية ومن بين السيناريوهات احتمال أن تتجه إسرائيل إلى توسيع دائرة ضغوطها الاستراتيجية نحو قوى إقليمية أخرى ولا سيما في ظل التوتر غير المسبوق الذي شهدته علاقاتها مع تركيا منذ حرب غزة وما رافقه من تصعيد سياسي وإعلامي حاد. كما أن السعودية بحكم موقعها وثقلها الإقليمي ستبقى لاعبا رئيسيا في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
ومن هذا المنظور قد تفهم الاتفاقية على أنها محاولة لبناء مظلة ردع استباقية لا تستهدف دولة بعينها وإنما تهدف إلى رفع كلفة أي تفكير باستهداف إحدى الدول الثلاث مستقبلاً أيا كان مصدر التهديد.
وفي النهاية فإن نجاح هذه الاتفاقية لن يقاس بحجم قواتها أو عدد أعضائها بل بقدرتها على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين الردع والاستقرار. فالتاريخ يعلمنا أن بعض التحالفات منعت الحروب بينما أسهمت تحالفات أخرى بسبب توقيتها أو تعقيد البيئة التي نشأت فيها في توسيع نطاق الصراعات.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل ستكون هذه الاتفاقية مظلة لحماية الأمن الإقليمي أم أنها ستصبح جزءا من معادلة الاستقطاب التي يعيشها الشرق الأوسط؟ الإجابة لن تصنعها البيانات الرسمية بل ستفرضها تطورات الميدان وحسابات السياسة في المرحلة المقبلة.
إرسال تعليق