بقلم/ د. فاضل الشويلي
ليسى مشكلة البلاد مرتبطة بقلة الإمكانات او نقص الاموال والثروات بل أصبحت أزمة أخلاق وسلوك سياسي بعد أن تحولت الدولة في نظر بعض الطبقة السياسية الى غنيمة وتحول المال العام الى مال سائب وأصبح الشعب آخر من تفكر به السلطة.
لقد أُهدرت أموال العراق تحت ذرائع متعددة وصُرفت المليارات على مشاريع وهمية وعقود مشبوهة ومجسرات عالية الكلفة وباهظة الثمن لا تتناسب أسعارها مع قيمتها الحقيقية ولا مع مستوى إنجازها.
وفي كل مرة تُفتح فيها أبواب الخزينة يظهر مشروع جديد وتُعلن أرقام هائلة ثم لا يجد المواطن أمامه إلا طرقاً متضررة وخدمات متوقفة وبنى تحتية ضعيفة ووعوداً تتكرر من دون نتائج.
وهنا يبرز السؤال الذي يردده كل عراقي من يحمي المال العام ومن يراقب الفاسدين ومن يحاسب من تعاملوا مع ثروة الشعب وكأنها ميراث شخصي أو حزبي
كيف يمكن لبلد يمتلك هذه الثروات الهائلة أن يبقى بلا كهرباء مستقرة ولا ماء صالح ولا زراعة متطورة ولا أمن غذائي ولا تعليم يليق بأبنائه ولا نظام صحي يحفظ حياة مواطنيه وكيف يُطلب من الشعب أن يصبر بينما يرى المسؤولين والمتنفذين يزدادون ثراءً وتزداد البلاد فقراً وتراجعاً
إن الفساد لم يعد مجرد حالات فردية أو أخطاء إدارية يمكن معالجتها بلجان مؤقتة أو تصريحات إعلامية. الفساد أصبح منظومة سياسية واقتصادية متكاملة تحمي نفسها بالمناصب والنفوذ والعلاقات والعشائر والسلاح والتسويات الحزبية.
ولهذا تأخرت البلاد وضاعت المشاريع الاستراتيجية وتراجعت مؤسسات الدولة حتى أصبح حكم القبيلة والحزب والنفوذ أقوى من حكم القانون.
إن أخطر ما فعله الفاسدون ليس سرقة المال بل إساءة الأدب مع الشعب والاستخفاف بمعاناته. بعد ان تصور الطريق خالياً من العقاب، فتمادوا في النهب، لأنهم اعتادوا أن تمر ملفاتهم بلا محاسبة وأن تُغلق القضايا بالتسويات وأن يُضحّى بصغار الموظفين بينما يبقى كبار الفاسدين ايادي خفيه تدير شبكة
نهب المال العام .
ولهذا فإن طلبنا ورجاءنا إلى رئيس مجلس الوزراء واضح وصريح ابدأوا بالكبار اختاروا عدداً من رموز الفساد من الصف الأول، وافتحوا ملفاتهم أمام القضاء والشعب ولا تجعلوا المحاسبة حملة مؤقتة أو تصفية سياسية بل مشروع دولة حقيقياً يعيد هيبة القانون.
نريد أن يرى العراقيون الفاسد الكبير وهو يُستدعى ويُحاكم وتُسترد منه الأموال المنهوبة لا أن يشاهدوه ينتقل من منصب إلى منصب أو من كتلة إلى أخرى أو يظهر على الشاشات متحدثاً عن الوطنية والإصلاح.
لقد وصل غضب الشعب إلى حد تمنى فيه البعض أن يُلقى الفاسدون في براميل النفايات أمام الكاميرات تعبيراً عن شدة الاحتقار لمن نهبوا البلاد وأساءوا إلى الناس.
لكن العقوبة التي يحتاجها العراق ليست انتقاماً عابراً ولا مشهداً مهيناً خارج القانون بل محاكمات علنية عادلة وسجوناً حقيقية ومصادرة للأموال والممتلكات المتحصلة من الفساد ومنعاً دائماً للمدانين من تولي المناصب العامة.
إن مكان الفاسد ليس في البرلمان ولا في الوزارة ولا في القصور والمكاتب بل أمام القضاء العادل ثم في السجن بعد ثبوت الجريمة. أما سياسياً وأخلاقيا فمكانه الطبيعي هو مزبلة التاريخ.
العراق لا يحتاج إلى المزيد من لجان التحقيق التي تنتهي بلا نتائج ولا إلى خطابات تتحدث عن مكافحة الفساد بينما يبقى الفاسد محمياً.
العراق يحتاج إلى ضربة قانونية حقيقية تبدأ من رؤوس الفساد لأن محاسبة مسؤول كبير واحد بصورة جدية وشفافة قد تغيّر المعادلة، وتزرع الخوف في نفوس بقية الفاسدين وتعيد للشعب جزءاً من ثقته بالدولة.
إن المال العام ليس مالاً مجهول المالك بل هو قوت الفقير ودواء المريض ومدرسة الطالب وراتب الموظف وماء المواطن وكهرباء بيته ومستقبل أبنائه. ومن يسرق هذا المال لا يسرق أرقاماً من الموازنة بل يسرق حياة شعب كامل.
البلاد لا تُبنى بالمجسرات باهظة الثمن، ولا بالمشاريع الوهمية، ولا بالصور والاحتفالات بل تُبنى بقضاء قوي ورقابة مستقلة ومؤسسات لا تخضع للحزب والقبيلة وحكومة تمتلك الشجاعة لمحاسبة الفاسدين مهما كانت أسماؤهم ومناصبهم.
رسالتنا إلى رئيس الوزراء لا تبدأوا بصغار الفاسدين وتتركوا الحيتان الكبرى. لا تفتحوا الملفات الضعيفة وتغلقوا الملفات التي تقف خلفها الأحزاب والمتنفذون.
ابدأوا من الصف الأول واضربوا منظومة الفساد في رأسها لأن الشعب لم يعد يحتمل المزيد من الوعود.
إن استمرار الإفلات من العقاب يعني استمرار إهانة الدولة والشعب أما محاكمة الكبار واسترداد الأموال فستكون بداية استعادة العراق من أيدي الذين نهبوه.
والله من وراء القصد .
فإما أن تكون هناك دولة تحمي المال العام وتعاقب الفاسدين، وإما أن يبقى الوطن خزينة مفتوحة أمام أحزاب السلطة والمتنفذين.
والشعب اليوم لا يطلب المستحيل، بل يطلب حقه: أن يرى الفاسد خلف القضبان، والمال المنهوب عائداً إلى خزينة الدولة، والقانون واقفاً فوق الجميع
احسنت واجدت دكتور فاضل
ردحذفووالله لو ١٠ بالمئة يفكرون مثلك لما حصل الذي حصل من فساد وهدر بالمال العام
رحمة الله على والديك وجزاك الله خير الجزاء..تحياتي
حبذا لو كان أول الطريق ،، واحد منهم يكفي لقطاف النصر
ردحذفإرسال تعليق