
بقلم - جاسم الجيزاني
لم تكن الصحافة العراقية في يوم من الأيام مجرد أوراق تُطبع وتُوزع على القراء، بل كانت ولا تزال شاهداً على تاريخ الوطن، ومنبراً للرأي الحر، وساحةً للحوار الوطني، وركناً أساسياً من أركان الدولة الحديثة. غير أن هذه المؤسسة العريقة تواجه اليوم أزمة وجودية حقيقية تهدد مستقبلها واستمرارها، في ظل التراجع الكبير في أعداد القراء، والتحولات الرقمية المتسارعة، والارتفاع المستمر في تكاليف الطباعة والتوزيع.
لقد وصلت العديد من الصحف الورقية إلى مرحلة حرجة، وبات استمرار صدورها مرهوناً بالإعلانات التجارية التي أصبحت المورد المالي الوحيد تقريباً لكثير من المؤسسات الصحفية. وفي بعض الأحيان، يكفي غياب الإعلانات ليوم واحد حتى تجد بعض الصحف نفسها عاجزة عن تغطية نفقات الطباعة، الأمر الذي يؤدي إلى تعثر صدورها أو توقفها نهائياً، وهو ما يهدد بفقدان مئات الصحفيين والإعلاميين مصادر رزقهم وخسارة العراق لجزء مهم من إرثه الإعلامي والثقافي.
ومن المؤسف أن هذا الواقع يتفاقم في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إعلام وطني مهني قادر على مواجهة حملات التضليل والشائعات والأخبار الزائفة التي تغزو الفضاء الإعلامي يومياً. فالدولة التي تضعف فيها الصحافة المهنية تفسح المجال أمام الفوضى الإعلامية، وتفقد واحدة من أهم أدوات الرقابة المجتمعية وصناعة الوعي العام.
وانطلاقاً من هذه المسؤولية الوطنية، فإننا ندعو نقابة الصحفيين العراقيين إلى تبني مبادرة عاجلة ومخاطبة دولة رئيس مجلس الوزراء لإصدار توجيه رسمي إلى جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية والهيئات المستقلة والمحافظات والجامعات يقضي بالاشتراك في الصحف اليومية العراقية الرصينة، وتوزيعها على مكاتب المسؤولين ومديري الدوائر والأقسام المختلفة.
إن هذا الإجراء لا يُعد منحة أو امتيازاً للصحف، بل يمثل دعماً مشروعاً لمؤسسات وطنية تؤدي دوراً عاماً في خدمة المجتمع والدولة. كما أن الاشتراكات الحكومية ستوفر مورداً مالياً مستقراً يساعد الصحف على الاستمرار والتطوير وتحسين محتواها المهني.
غير أن الحل لا يجب أن يتوقف عند هذا الحد، بل يتطلب رؤية وطنية متكاملة لإنقاذ قطاع الصحافة والإعلام، تشمل تخصيص نسبة ثابتة من الإعلانات الحكومية للصحف المحلية، وإنشاء صندوق وطني لدعم الصحافة، وتقديم إعفاءات ضريبية للمؤسسات الإعلامية، فضلاً عن دعم التحول الرقمي وتحديث البنية التكنولوجية للمؤسسات الصحفية وتوفير برامج تدريب متقدمة للصحفيين.
كما أن القطاع الخاص مدعو إلى الإسهام في دعم الإعلام الوطني من خلال توسيع نطاق إعلاناته في الصحف المحلية، انطلاقاً من مسؤوليته الاجتماعية ودوره في دعم الاستقرار والتنمية.
إن حماية الصحافة ليست مسؤولية الصحفيين وحدهم، بل مسؤولية الدولة والمجتمع بأكمله. فالصحافة الحرة والقوية هي صمام أمان للديمقراطية، وحارس للمصلحة العامة، ومرآة تعكس نبض الشارع وتطلعات المواطنين.وإذا كانت الحكومات في مختلف دول العالم تدعم مؤسساتها الإعلامية إدراكاً منها لأهميتها الاستراتيجية، فإن الصحافة العراقية اليوم تستحق وقفة جادة قبل أن تفقد قدرتها على الاستمرار. فإغلاق صحيفة لا يعني توقف مطبعة عن العمل فحسب، بل يعني غياب صوت من أصوات الوطن، وانطفاء نافذة من نوافذ المعرفة والتنوير.
إنقاذ الصحافة العراقية لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة، لأن حماية الكلمة الحرة هي في النهاية حماية للعراق ومستقبله الديمقراطي والثقافي.
إرسال تعليق