عاجل
جاري تحميل الأخبار...

​*قراءة تحليلية في المنهاج الحكومي لعلي الزيدي*


ناجي الغزي

يأتي المنهاج الحكومي لرئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي في مرحلة بالغة الحساسية داخلياً وإقليمياً، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية مع صراع النفوذ الدولي والإقليمي على العراق. ولذلك يبدو المنهاج أقرب إلى محاولة لإدارة التعقيدات القائمة والحفاظ على الاستقرار، أكثر من كونه مشروعاً يساهم في إعادة هيكلة النظام السياسي، أو محاولة لإعادة تأسيس الدولة العراقية على أساس مؤسساتي.

فالوثيقة الحكومية تعكس بوضوح طبيعة المرحلة المقبلة، وتكشف عن حجم القيود التي تواجه أي حكومة عراقية تعمل داخل نظام سياسي قائم على التوازنات والمحاصصة وتداخل النفوذ الداخلي والخارجي.


*أولاً: المنهاج بوصفه وثيقة توازنات سياسية*


اللغة السياسية التي كُتب بها المنهاج تكشف عن محاولة واضحة لبناء معادلة وسطية بين القوى المتصارعة داخل العراق وخارجه. فهو لا يتبنى خطاباً تصادمياً مع الفصائل المسلحة، ولا يذهب باتجاه القطيعة مع الولايات المتحدة، بل يحاول الجمع بين الحفاظ على شرعية الحشد الشعبي، وتفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع واشنطن، والدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة،

مع تجنب أي مواجهة مباشرة مع القوى المسلحة النافذة.

هذا التوازن يعكس إدراكاً بأن الحكومة المقبلة لا تمتلك القدرة على الدخول في صدام شامل مع أي طرف داخلي أو خارجي، لذلك جاء المنهاج أقرب إلى "وثيقة إدارة توازنات" منه إلى مشروع تغيير جذري.


*ثانياً: حياد العراق… بين الطموح والواقع*


يحاول الزيدي تقديم رؤية تقوم على "حياد عراقي مرن" يبعد البلاد عن محاور الصراع الإقليمي، ويحول العراق إلى مساحة توازن لا ساحة مواجهة. إلا أن هذه الرؤية تصطدم بواقع جيوسياسي شديد التعقيد.

فالعراق لم يعد مجرد دولة محايدة بين واشنطن وطهران، بل أصبح خلال السنوات الماضية ساحة تداخل استراتيجي بين النفوذين الأمريكي والإيراني، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو السياسي. لذلك فإن أي محاولة للتموضع في المنطقة الرمادية تبقى معرضة للاهتزاز عند أول تصعيد إقليمي. ومن هنا تبدو سياسة "الحياد المتوازن" أقرب إلى إدارة الضغوط لا الخروج منها.


*ثالثاً: الإصلاح الاقتصادي… الطموح الكبير والقيود البنيوية*


يتضمن المنهاج عناوين واسعة تتعلق بالإصلاح الاقتصادي، مثل: تنويع الاقتصاد، وتطوير قطاع الطاقة، ودعم الصناعة والزراعة، وإصلاح القطاع المصرفي، وتشريع قانون النفط والغاز، والتحول الرقمي.

لكن الإشكالية الأساسية تكمن في أن الاقتصاد العراقي ما يزال اقتصاداً ريعياً يعتمد بصورة شبه كلية على النفط، فيما تتحكم شبكات المصالح الحزبية والبيروقراطية بمفاصل الدولة الاقتصادية.

كما أن البرنامج يفتقر إلى: الجداول الزمنية، ومصادر التمويل الواضحة، ومؤشرات قياس الأداء، وخطط التنفيذ المرحلية. ولهذا يبدو المنهاج أقرب إلى "إعلان نوايا اقتصادي" منه إلى برنامج تنفيذي متكامل.


*رابعاً: مكافحة الفساد… بين الشعار والواقع السياسي*


خصص المنهاج مساحة واسعة للحديث عن الحوكمة، والشفافية، والتحول الرقمي، ومكافحة الفساد الإداري والمالي. لكن المعضلة الحقيقية تكمن في طبيعة القوى السياسية التي جاءت بالحكومة نفسها، إذ إن معظم هذه القوى متهمة تاريخياً بإدارة منظومة المحاصصة وتقاسم النفوذ داخل مؤسسات الدولة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لمنظومة تأسست على المحاصصة أن تنتج مشروعاً إصلاحياً حقيقياً يقوم على تفكيك البنية نفسها التي منحتها القوة والنفوذ؟

لذلك فإن خطر تحول ملف مكافحة الفساد إلى أداة انتقائية أو سياسية يبقى قائماً، خصوصاً إذا اصطدمت الإصلاحات بمصالح القوى المتنفذة.


*خامساً: الملفات الأكثر حساسية في المنهاج*


هناك مجموعة من الملفات التي قد تشكل نقاط اشتباك مع القوى السياسية والفصائل النافذة، أبرزها:

1- حصر السلاح بيد الدولة: وهو الملف الأكثر حساسية، لأنه يتقاطع مباشرة مع نفوذ الفصائل المسلحة ودورها السياسي والأمني.

2- الإصلاح المصرفي والامتثال المالي: خصوصاً ما يتعلق بمكافحة غسل الأموال، والتحويلات المالية، والاقتصاد الموازي، وهي ملفات ترتبط بضغوط أمريكية مباشرة.

3- توحيد القرار الأمني: إذ إن تعدد مراكز القوة داخل الدولة يمثل أحد أبرز معوقات بناء الدولة المركزية.

4- مكافحة الفساد البنيوي: لأن أي إصلاح حقيقي سيعني بالضرورة المساس بشبكات النفوذ الاقتصادي والسياسي.


*سادساً: غياب الإصلاح السياسي الحقيقي*


رغم اتساع محاور المنهاج، إلا أنه تجنب الخوض بوضوح في ملفات الإصلاح السياسي البنيوي، مثل: تعديل شكل النظام السياسي، ومعالجة المحاصصة بشكل مباشر، وإصلاح النظام الانتخابي، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، وتعزيز استقلالية القضاء بصورة جذرية.

وهذا يكشف أن الحكومة تتجه نحو "إدارة الأزمة" أكثر من توجهها نحو إعادة هيكلة النظام السياسي نفسه.

أي أن الهدف يبدو منصباً على تخفيف الاختلالات، وتحسين كفاءة الدولة، واحتواء الأزمات،

بدلاً من إحداث تحول جذري في بنية النظام.


*سابعاً: هل يستطيع الزيدي تنفيذ هذا البرنامج؟*


واقعياً، تبدو إمكانية تنفيذ البرنامج بالكامل محدودة، ليس فقط بسبب ضعف الآليات التنفيذية، بل بسبب طبيعة البيئة السياسية العراقية القائمة على توازنات القوى، والاقتصاد الريعي، والنفوذ الخارجي، والدولة العميقة الحزبية، وتشابك المصالح. ومع ذلك، قد تتمكن الحكومة من تحقيق نجاحات جزئية في ملفات: الخدمات، والكهرباء والطاقة، والتحول الرقمي، والجباية، وبعض الإصلاحات المصرفية والاستثمارية.

لكنها ستواجه صعوبة كبيرة في الملفات التي تمس جوهر منظومة النفوذ، مثل: السلاح، والفساد البنيوي، والاقتصاد الموازي، والمحاصصة السياسية. 


ومن خلال هذه القراءة للمنهاج الحكومي للمكلف لرئاسة الحكومة الأستاذ علي الزيدي، يبدو أن المنهاج لا يحمل مشروع نواة دولة، بقدر ما يبدو محاولة لإدارة مرحلة شديدة التعقيد بأقل قدر ممكن من الصدامات. فهو يسعى إلى تحقيق الاستقرار وإعادة تنظيم التوازنات أكثر من سعيه إلى تفكيك سلبيات النظام القائم، وإصلاح مساراته.

وهنا تكمن المفارقة العراقية المستمرة: فمعظم الحكومات تتحدث عن الإصلاح، لكنها تصل إلى السلطة عبر المنظومة نفسها التي يُفترض أن تقوم بإصلاحها، الأمر الذي يجعل أي مشروع تغييري حقيقي محكوماً منذ البداية بقيود التوازنات السياسية وشبكات النفوذ المتجذرة داخل الدولة.

تعليق

أحدث أقدم