
بقلم: حسن درباش العامري
في حياة الإنسان تفاصيل تبدو صغيرة في أعين الآخرين، لكنها تحفر في النفس أخاديد لا تُمحى. لحظات عابرة في ظاهرها، لكنها قادرة على إعادة تشكيل مزاج الإنسان، ونظرته، وحتى طريقة تعامله مع العالم. فليست التجارب تُقاس بحجمها، بل بعمق أثرها.
قد ينظر أحدهم من نافذة الرحلة ليستمتع بمنظر يشبه الحلم، بينما ينشغل آخر بتفاصيل صغيرة تؤذيه—مقعد غير مريح، صوت مزعج، ذكرى تستيقظ فجأة. التجربة نفسها، لكن الإحساس مختلف… وكأن كل إنسان يمتلك “مرآته الخاصة” التي تعكس له ما لا يراه غيره.
لكن هناك تجارب أعمق من تعب رحلة أو ضيق مقعد.
التجارب التي تأتي من الإنسان… من الوجوه التي تبتسم، بينما تخبّئ خلف ابتسامتها ما لا نشعر به إلا حين يتأخر الوقت.
عرفتُ شخصًا كنت أرى فيه بوابة نحو آفاق جديدة، وتعاملت مع وعوده كأنها مسلمات لا تهتز. تصوّرت أن الطريق الذي أنتظره سيمرّ عبره، وأن المستقبل قد يبدأ من عنده. لكن الأيام كشفت أن الوجه الذي ظننته صافياً كان محاطًا بظلال كثيرة. وحين أدرك أن الحقيقة ظهرت لي بوضوح، بدأ يتراجع ببطء، يتفادى المواجهة، كمن يخشى النظر إلى صورته الحقيقية.
وهنا كان لابد أن أُعرّف عن نفسي.
فأنا لا أبحث عن مكان يُمنح لي كمنّة.
ولا أقبل أن أكون حاضرًا لا يُلتفت إليه، أو غائبًا لا يُفتقد.
إن لم أجد لنفسي موضعًا محترمًا في عقول الآخرين وأنفسهم، فالأَولى أن أنسحب بكرامة. فأنا كيان لا يمكن تجاوزه أو التعامل معه كظلٍ يمرّ ثم يختفي، ولست أرى لأحدٍ فضلًا عليّ يجعل وجوده أفضل أو أكرم من وجودي في أي موضع يُفترض أن أكون فيه.
وحين أغلِق الباب الذي ظننته منفذًا، بحثت عن طريق آخر… فوجدت طرقًا وأبوابًا كثيرة، ربما كانت أفضل وأوسع وأكثر وضوحًا. لكني مع ذلك فضّلت الانسحاب؛ لأن الطريق الذي يبدأ بظلال من الشك لا يُبنى عليه يقين، ولأن الأبواب التي تُفتح دون احترام لا تستحق أن تُطرق.
هذه الازدواجية—وجه يبتسم ووجه يطعن—هي التي تصنع فينا ما لا تصنعه الكتب ولا النصائح.
قد تزرع فينا حذرًا، أو تمنحنا بصيرة، أو تعيد ترتيب أولوياتنا.
وقد تجعلنا نمنح ثقتنا لمن يستحقها فقط، ونغلقها عمّن لا يعرف قيمتها.
التجارب لا تُخرّب الإنسان… بل تهذّبه.
لا تهدمه… بل تكشف له حدوده، وكرامته، ومن يستحق قربه ومن لا يستحق حتى الوقوف عند عتبته.
وتبقى الحقيقة الثابتة:
أن أجمل الوجوه ليست تلك التي تبتسم… بل التي تصدق.