
د. ليون سيوفي
إسرائيل تنظر بقلق إلى تنامي الدور التركي داخل سوريا، وتركيا ترى أن من حقها دعم الدولة السورية والمساهمة في إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية، بينما تجد سوريا نفسها مرة أخرى أمام صراع قوى فوق أرضها، وكأنها لم تدفع بعد ما يكفي من الدم والدمار.
الغارات الإسرائيلية الأخيرة على مواقع سورية، وما رافقها من اعتراض تركي شديد، ليست مجرد حادثة عسكرية، بل رسالة متبادلة تقول إن كل طرف بدأ يرسم خطوطاً حمراء للآخر. إسرائيل تريد سوريا ضعيفة عسكرياً وغير قادرة على تهديدها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول الأراضي السورية إلى قاعدة نفوذ تركي متقدمة، وتركيا من جهتها لن تقبل بسهولة أن تحدد إسرائيل وحدها شكل الوجود العسكري والسياسي في سوريا.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي، لأن الحرب لا تحتاج دائماً إلى قرار مسبق من العاصمتين، بل يكفي أن يقع خطأ واحد في الحسابات: طائرة تركية تُستهدف، جندي تركي يُقتل في غارة إسرائيلية، منظومة دفاع جوي تركية ترد على طائرة إسرائيلية، أو ضربة إسرائيلية تصيب موقعاً يوجد فيه عسكريون أتراك، وعندها قد تنتقل المنطقة خلال ساعات من مرحلة التهديد والرسائل السياسية إلى مرحلة الرد والرد المضاد، ومن الصعب جداً معرفة أين ستتوقف
النار.
لا أحد يستطيع اليوم أن يجزم بأن حرباً شاملة بين تركيا وإسرائيل ستندلع، بل إن السيناريو الأقرب هو استمرار الضغط والردع والضربات المحدودة ومحاولات احتواء التصعيد، لكن الخطير أن المسافة بين الاحتواء والانفجار أصبحت أضيق بكثير مما كانت عليه. ولذلك تحاول الولايات المتحدة إنشاء آليات لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا، لأن واشنطن تعرف أن أخطر الحروب ليست دائماً تلك التي يقررها القادة، بل تلك التي تبدأ بحادث عسكري ثم تفرض على القادة سلسلة من الردود التي لم يكونوا يريدونها أصلاً. لكن السؤال الذي يجب أن يشغل اللبنانيين تحديداً هو: ماذا يعني ذلك للبنان؟ وهل يستطيع لبنان أن يبقى خارج تداعيات انفجار إقليمي جديد؟ الحقيقة أن لبنان لا يملك ترف مراقبة ما يجري في سوريا من بعيد، لأن أي مواجهة تركية ـ إسرائيلية واسعة ستعيد ترتيب المشهد العسكري والسياسي في المنطقة، وقد تدفع إسرائيل إلى رفع مستوى الاستنفار على جبهاتها الشمالية، وقد تفتح أبواباً جديدة من التوتر لا يستطيع أحد اليوم تحديد حدودها. لبنان الذي لم يخرج بعد من أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والذي ما زال يعاني من انقسامات عميقة ومن إرث الحروب والصراعات، لا يحتمل أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتصفية حسابات
الآخرين.
وهنا تكمن المأساة اللبنانية المتكررة، ننتظر حتى تقع الكارثة، ثم نبدأ بالسؤال عمّن كان يعلم، ومن حذّر، ومن أخطأ، ومن كان يجب أن يتصرف. نختلف عندما يكون المطلوب أن نتوحّد، ونستهلك وقتنا في الصراعات الداخلية بينما المنطقة من حولنا تعيد رسم خرائطها، ثم نستيقظ عندما يصبح الوقت متأخراً. اليوم ما زالت هناك فرصة للبنان كي يحمي نفسه، ليس بالدخول في صراعات الآخرين، بل بالوعي أولاً، وبامتلاك قرار وطني واضح، وبإبعاد لبنان قدر الإمكان عن أي مواجهة إقليمية لا مصلحة له فيها. فالمنطقة تتحرك بسرعة، وسوريا تتحول إلى ساحة تنافس بين أنقرة وتل أبيب، وإسرائيل تتحرك وفق حساباتها الأمنية، وتركيا تعزز نفوذها وفق مصالحها الاستراتيجية، والقوى الدولية تراقب وتحاول منع الانفجار، بينما يبقى السؤال الأكبر، من سيدفع ثمن أي حرب إذا اندلعت؟
بالتأكيد لن يدفعه أصحاب القرارات وحدهم، بل سيدفعه المدنيون، والاقتصادات المنهكة، والشعوب التي تبحث عن لقمة العيش والأمان. ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس فقط في احتمال اندلاع حرب تركية ـ إسرائيلية داخل سوريا، بل في احتمال أن تتحول سوريا إلى الشرارة التي تشعل سلسلة من المواجهات في أكثر من جبهة. الحرب قد تبدأ بصاروخ، ثم يأتي الرد، ثم يأتي الرد على الرد، وفجأة يجد الجميع أنفسهم أمام حرب لم يكن أحد يريدها بهذا الحجم. لذلك على اللبناني أن يرفع عينيه عن تفاصيل الخلافات اليومية وأن ينظر إلى ما يجري حوله بعين الدولة لا بعين الطائفة، وبعين المصلحة الوطنية لا بعين المحاور. فالخطر عندما يصل إلى الحدود لا يسأل اللبناني عن طائفته ولا عن حزبه ولا عن موقفه السياسي؛ يسأل فقط: هل كان هذا البلد مستعداً؟ وهل امتلك قراره؟ وهل عرف كيف يحمي نفسه؟ لقد حان الوقت لكي يفهم اللبناني أن انتظار الكارثة ليس سياسة، وأن النوم وسط العاصفة ليس حياداً، وأن الاستيقاظ بعد الانفجار لا يعيد البيوت ولا يعيد الضحايا ولا يعيد الوطن.
سوريا اليوم أمام اختبار خطير، وتركيا وإسرائيل أمام حدود جديدة للصراع، ولبنان أمام سؤال لا يستطيع الهروب منه، هل سيكون مستعداً لما قد يأتي، أم سيستيقظ مرة أخرى بعد فوات الأوان؟
فالدول العاقلة لا تنتظر النار حتى تصل إلى أبوابها، بل تتحرك قبل أن تشتعل، لأن العاقل ليس من يعرف كيف يدخل الحرب، وإنما من يعرف كيف يمنعها من الوصول إلى وطنه.
إرسال تعليق