
ناجي الغزي/كاتب سياسي
العراق لا يستطيع التعامل مع المنطق الأمريكي بمنطق الرفض المطلق ولا بمنطق الاستسلام الكامل، لأن واشنطن تنظر إلى العراق اليوم من زاوية مختلفة، العراق بالنسبة إليها ليس مجرد دولة تحتاج إلى الكهرباء والاستثمار، بل دولة تقع في منطقة تنافس أمريكي إيراني، وتمتلك النفط والموقع الجغرافي وسوقاً كبيراً، ويمكن أن تكون جزءاً من إعادة ترتيب المنطقة.
فالعلاقة بين العراق وامريكا علاقة غير متكافئة، وإن واشنطن تمتلك أدوات ضغط واسعة تجعل هامش القرار العراقي محدوداً. لذلك نجد أن أمريكا لها تأثير عميق في قراره السياسي والاقتصادي. عبر أدوات التأثير الحديثة بشكل واسع وذلك من خلال: المال، والنظام المصرفي، والدولار، والطاقة، والاستثمار، والسلاح، والعلاقات الدولية، والعقوبات، والتأثير السياسي والأمني. وذلك بسبب، اعتماد العراق بشكل كبير على النفط وضعف تنوع اقتصاده وحاجته إلى الطاقة والاستثمار، يصبح أكثر عرضة لهذه الأدوات القاسية.
فالعراق لن يستطيع إلغاء النفوذ الأمريكي بقرار سياسي، لكنه يستطيع تدريجياً تقليص أدوات التأثير الخارجي من خلال بناء مصادر قوة داخلية. وأرى أن السياسة البراغماتية المطلوبة تقوم على عدة مسارات واعية.
فالمشكلة ليست في أمريكا وحدها، بل في قابلية العراق للضغط. وهذا هو جوهر المسألة. إذا كان العراق يحتاج إلى الغاز الإيراني لتشغيل محطاته، وإلى النظام المالي الدولي لإدارة عائداته النفطية، وإلى الشركات الأجنبية للاستثمار، وإلى التكنولوجيا والسلاح والتدريب، وإلى الأسواق الخارجية لتصريف نفطه، فإن أي دولة كبرى تستطيع أن تستخدم جزءاً من هذه الملفات للتأثير في بغداد.
لذلك عندما تقول واشنطن للعراق: لا تشترِ من إيران، ولا تجعل الصين شريكك الرئيسي، وطوّر قطاع الطاقة، وأصلح المصارف، وحارب الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، فإن بعض هذه المطالب قد يكون متوافقاً مع مصلحة عراقية حقيقية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإصلاحات العراقية إلى شروط أمريكية. وهنا يجب أن يكون موقف بغداد واضحاً: نحن نقبل الإصلاح لأنه مصلحة عراقية، وليس لأنه إملاء أمريكي.
وهذه نقطة فارقة جداً. العراق يستطيع قلب المعادلة. بدلاً من أن يسأل: ماذا تريد أمريكا من العراق؟ يجب أن يسأل: ماذا يريد العراق من أمريكا؟
إذا كانت واشنطن تريد تقليل اعتماد العراق على إيران في الطاقة، فليكن ذلك من خلال استثمار أمريكي في إنتاج الغاز العراقي والكهرباء. وإذا كانت تريد إبعاد العراق عن النفوذ الصيني، فلتقدم الشركات الأمريكية مشاريع أفضل وأكثر تنافسية. وإذا كانت تريد حصر السلاح بيد الدولة، فلتساعد العراق في بناء مؤسسة عسكرية وأمنية قوية ومستقلة.
وإذا كانت تريد عراقاً مستقراً، فعليها أن تتعامل مع بغداد كدولة ذات سيادة لا كساحة صراع أمريكي إيراني. وهذا ليس طرحاً نظرياً تماماً، فالولايات المتحدة نفسها سبق أن ربطت دعمها للعراق في مجال الطاقة بهدف تحقيق الاستقلال الطاقوي العراقي، كما دعمت مشروع الغاز المتكامل مع شركة توتال بقيمة 27 مليار دولار باعتباره خطوة نحو تقليل اعتماد العراق على مصادر الطاقة الخارجية. لذلك المعركة الحقيقية هي: استقلال القرار لا طرد أمريكا.
العراق لا يحتاج إلى الدخول في مواجهة مع واشنطن. ولا يحتاج أيضاً إلى الارتماء في أحضانها. بل يحتاج إلى بناء دولة قوية تستطيع أن تقول لأمريكا وإيران وتركيا والصين وروسيا والخليج: مصالح العراق أولاً. والدولة التي تنتج غازها، وتنتج كهرباءها، وتملك نظاماً مصرفياً قوياً، وتنوع اقتصادها، وتسيطر على حدودها وسلاحها، وتفتح علاقاتها الاقتصادية مع الجميع، لن يستطيع أي طرف استعباد قرارها بسهولة.
لذلك أعتقد المشكلة أن العراق ما زال يمتلك نقاط ضعف تسمح للقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بالتأثير في قراره. والسيادة الحقيقية لا تُستعاد بالشعارات المعادية لأمريكا، وإنما ببناء دولة لا تستطيع أمريكا ولا إيران ولا تركيا ولا غيرها أن تفرض عليها خياراتها. وهنا تتحول السيادة من شعار سياسي إلى قدرة اقتصادية وأمنية ومؤسساتية حقيقية.
إرسال تعليق