
حسين الذكر
بعد مائة عام على تاسيس الدولة العراقية الحديثة وبداية (الحكم الوطني في العراق ) بمختلف مسمياته وعناوينه وبرغم التضحيات الجسام التي قدمت خلال قرن من اجل الحفاظ على الدولة وممتلكاتها وسيادتها باعتبارها سليلة حضارة عريقة موغلة بالقدم تعد نتاج طبيعي لوجود نهري دجلة والفرات اللذان يزينان ارضه طولا وعرضا كمشهدين حيين يمتدان الاف الكيلومترات .. وبرغم الثروات الطبيعية سيما النفط منها او ما يسمى صدقا بالذهب الاسود وبقية المعادن العراقية الشهيرة التي كانت سببا لتعرضه للغزوات المستمرة الدامية طمعا بخيراته مثل هجوم الاسكندر المقدوني قبل 2500 سنة وكذا هولاكو وتيمرلينك وغيرهم .
على طول خط الدولة العراقية الحديثة ظلت مدننا سيما العاصمة بغداد ومراكز المحافظات تتمتع بقوانين عمرانية ساهمت بصناعة المدنية الحديثة ولو بحدودها الدنيا على مختلف انظمة الحكم التي مرت ملكية او جمهورية رئاسية او برلمانية شمولية او ديمقراطية ... ظل الالتزام بتلك القواعد يمثل ضرورة للحفاظ عليها ولو قسريا بتعليمات تحددها وزارات الداخلية والثقافة والبلدية وغيرها من دوائر مدنية مختصة .
لا اتحدث اطلاقا عن نوع الحكم ومن هو الحاكم ودينه ومذهبه وطريقة ... حكمه فلست بصدد ذلك بل عن سلوك الناس فيما بينهم واحترام آلاخر والشارع والمؤسسات والمواطن والرصيف والساحات والممتلكات العامة حتى ان المتابع والمطلع محليا او خارجيا يلحظ بشكل جلي انحراف سلوك الافراد ماشيا او بالدارجة او بالسيارة او بالباص او المصلحة والقطار والطائرة .. بالمطار و النهر او البحر في الكراج والملعب والمتنزه او السينما او في المسجد والمراقد المقدسة .
لقد كان كل شيء خاضع للتعليمات الملزمة : فلا يمكن احتلال واستغلال الرصيف تحت اي عنوان وسبب كان ولا يمكن لصاحب مطعم او كشك او عربة يفتح كما يحلو له ولا يمكن لراعي الغنم ان يبيع وسط الشارع وبالحدائق العامة ولا يمكن لسائق الدلفري والدراجة والتك تك .. تشويه المنظر العام للمدينة وفقا لمزاجه الخاص ولا يمكن (للرون سايد) ان يسود حيث يشاء ولا يمكن ( للجنابر والبسطيات وبائعي المفرد والمحلات ) ان تستفرد بالشارع العام حتى لم يعد للمواطن مكان يمشي عليه فيضطر لمزاحمة السيارات والدراجات وكل الالات السريعة المميتة .
ان التصحر والهمجية والتخلف والارتكاس الحضاري بديل حتمي لغياب القانون وسيادة الفوضى على حساب قوة المؤسسات حتى اصبح الشارع ملك عام يفعلون به ما يشاؤا كل قوي يفتح وسط الرصيف بلا حساب ولا كتاب سيما في المناطق الشعبية التي اصبحت تحت رحمة الانفلات العام والهمجية المعشعشة التي لا يعرف اهلها كيف يعيشون بسلام في ظل واقع اقل ما يقال عنه انه ذو صبغة عرفية اكثر من كونها قانونية .
هنا استبطن الالم ووجع عراقي غالب لا اقصد به موضوعا سياسيا ولا دينيا ... برغم ان السياسية والدين يفترض انهما مدخل للحضارة وليس باتجاه معاكس لها .. الا انني آمل ان نلحق ما تبقى وان تسرع الحكومة الخطى من اجل تصحيح المسار عبر تفعيل دور المؤسسات والقوى الرسمية والحكومية من اجل انقاذ العراق والعراقيين من خطر التصحر الحضاري المحاصر الذي يكاد يخنق ما تبقى من اخضرار وامل !
إرسال تعليق