العربية
English
کوردی
عاجل
جاري تحميل الأخبار...
/* حذف breadcrumb + meta في صفحة المقال فقط */ body.item-view .breadcrumbs, body.item-view .breadcrumb, body.item-view [class*="breadcrumb"], body.item-view .post-meta, body.item-view .entry-meta, body.item-view .post-info, body.item-view .post-footer, body.item-view .post-labels, body.item-view .post-author, body.item-view .post-date, body.item-view .comment-link, body.item-view [class*="post-meta"], body.item-view [class*="entry-meta"], body.item-view [class*="byline"] { display: none !important; visibility: hidden !important; height: 0 !important; min-height: 0 !important; margin: 0 !important; padding: 0 !important; overflow: hidden !important; } /* تقليل الفراغات حول العنوان */ body.item-view .post, body.item-view .post-outer, body.item-view .post-header, body.item-view .post-title, body.item-view h1.post-title, body.item-view .entry-title { margin-top: 0 !important; padding-top: 0 !important; } /* تقريب الصورة من العنوان */ body.item-view .post-body, body.item-view .entry-content { margin-top: 0 !important; padding-top: 0 !important; article p, .entry-content p, .post-body p, .post p, .item-content p { margin: 0 !important; margin-bottom: 5px !important; padding: 0 !important; line-height: 1.4 !important; }

​*كيف قاد التضخم الإداري العراق إلى حافة الأزمة المالية؟*


ناجي الغزي/كاتب وباحث سياسي واقتصادي 

لم تعد أزمة الرواتب في العراق مجرد مشكلة مالية عابرة، ولا أزمة سيولة يمكن تجاوزها بتأخير دفعة أو الاقتراض من الداخل أو اللجوء إلى أدوات نقدية مؤقتة. ما يواجهه العراق اليوم هو نتيجة تراكمات امتدت لأكثر من عقدين، حين تحولت الوظيفة الحكومية من وسيلة لإدارة الدولة إلى أداة لإدارة السياسة، ومن حاجة إدارية إلى وسيلة لشراء الاستقرار الاجتماعي وكسب الولاءات الانتخابية.

لقد نشأ نموذج اقتصادي مشوّه، يقوم على فكرة بسيطة لكنها بالغة الخطورة، كلما ارتفعت معدلات البطالة، كان الحل الأسرع هو فتح باب التعيين الحكومي. ومع كل أزمة سياسية أو احتجاجات شعبية أو استحقاق انتخابي، كانت آلاف الدرجات الوظيفية تُمنح دون أن ترتبط بحاجة فعلية للمؤسسات أو بخطط تنموية أو بإصلاح إداري حقيقي.

وبمرور الوقت، لم تعد الوزارات تبني اقتصاداً، بل أصبحت تدير قوائم رواتب هائلة. وأصبح حجم الإنفاق التشغيلي يلتهم الجزء الأكبر من الموازنة العامة، بينما تراجعت حصة الاستثمار، وتباطأ تنفيذ المشاريع الإنتاجية، وانكمشت قدرة الدولة على خلق مصادر دخل مستدامة.

الأخطر من ذلك أن الاقتصاد العراقي بقي يعتمد بصورة شبه كاملة على مورد واحد هو النفط الخام. وهذا يعني أن أي اضطراب في أسعار النفط، أو في كميات التصدير، أو في حركة التجارة العالمية، يتحول مباشرة إلى أزمة داخلية تمس حياة ملايين المواطنين.

إن الدولة التي تعتمد على مصدر دخل واحد، بينما تتحمل نفقات ثابتة ومتزايدة لعشرات الملايين من الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من شبكات الحماية الاجتماعية، تصبح أشبه بأسرة تعتمد على راتب واحد، لكنها تواصل زيادة التزاماتها المالية كل عام دون زيادة مقابلة في دخلها.

ولهذا فإن الأزمة الحالية ليست أزمة نقص أموال فقط، وإنما أزمة هيكل اقتصادي كامل.

فالترهل الإداري لم يعد يعني مجرد زيادة في عدد الموظفين، بل أصبح يعني انخفاضاً في الإنتاجية، وتكراراً في الاختصاصات، وتضخماً في الجهاز الحكومي، وصعوبة في اتخاذ القرار، وارتفاعاً مستمراً في كلفة إدارة الدولة.

وفي المقابل، بقي القطاع الخاص ضعيفاً، لأن الدولة نفسها نافسته في سوق العمل، وأرسلت رسالة واضحة للأجيال الجديدة مفادها أن الوظيفة الحكومية هي الطريق الوحيد للاستقرار، بينما تراجع الاستثمار في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات الحديثة.

وبذلك تحولت الجامعات إلى مصانع للخريجين الباحثين عن وظيفة حكومية، لا إلى مؤسسات تصنع رواد أعمال أو منتجين أو مبتكرين.

وإذا استمرت هذه المعادلة، فإن المشكلة لن تكون فقط في تأخر الرواتب، وإنما في قدرة الدولة مستقبلاً على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها المالية دون استنزاف الاحتياطيات أو اللجوء إلى الاقتراض بصورة متكررة.

إن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ بالاعتراف بأن المشكلة ليست في الموظف، وإنما في السياسات التي صنعت هذا التضخم الإداري.

فالموظف لم يخلق الأزمة، بل استجاب لسياسة حكومية أقنعته بأن الوظيفة العامة هي الخيار الأكثر أمناً، بينما كانت الدولة نفسها تعجز عن بناء اقتصاد يوفر فرصاً حقيقية خارج القطاع العام.

ولهذا فإن معالجة الأزمة لا تكون بإيقاف الرواتب أو تحميل المواطنين مسؤولية ما جرى، وإنما بإعادة بناء فلسفة الاقتصاد العراقي على أسس جديدة.

وتبدأ هذه العملية بعدة خطوات متوازية:

* إعادة هيكلة الجهاز الإداري وفق معايير الكفاءة والحاجة الفعلية، وليس وفق المحاصصة أو الضغوط السياسية.

* وقف التعيينات العشوائية، وربط أي تعيين جديد بخطط التنمية والإحلال الطبيعي للوظائف.

* توجيه الإنفاق العام تدريجياً من الاستهلاك إلى الاستثمار، بما يخلق أصولاً إنتاجية ومصادر دخل جديدة.

* إطلاق برنامج وطني لدعم القطاع الخاص، وتقديم الحوافز الضريبية والتمويلية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

* إصلاح النظام الضريبي والجمركي وتعظيم الإيرادات غير النفطية، بما يقلل من هشاشة المالية العامة.

* مكافحة الفساد المالي والإداري الذي يستنزف موارد الدولة ويضعف ثقة المستثمرين.

* التحول إلى موازنة البرامج والأداء، بحيث يرتبط الإنفاق بنتائج قابلة للقياس، لا بمجرد تخصيصات سنوية ثابتة.

إن أخطر ما في الأزمة الحالية أنها كشفت هشاشة النموذج الاقتصادي الذي عاش عليه العراق سنوات طويلة. فالدول لا تُقاس بعدد الموظفين الذين تدفع لهم الرواتب، بل بقدرتها على إنتاج الثروة، وتنويع مصادر الدخل، وبناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الأزمات.

ولذلك فإن اللحظة الراهنة ينبغي أن تكون نقطة تحول، لا مجرد أزمة سيولة عابرة. فإذا استمرت الدولة في إدارة المشكلة بالأدوات نفسها التي صنعتها، فإن الأزمات ستتكرر بوتيرة أشد، وستتسع الفجوة بين الإيرادات والالتزامات عاماً بعد آخر.

أما إذا تحولت هذه الصدمة إلى فرصة لإصلاح اقتصادي وإداري شامل، فقد تكون بداية الانتقال من دولة توزع الثروة النفطية إلى دولة تنتج الثروة وتديرها بكفاءة، وهي المعادلة الوحيدة القادرة على حماية الرواتب، وضمان الاستقرار المالي، وتأمين مستقبل الأجيال القادمه.


تعليق

أحدث أقدم

Disqus Shortname

sigma-2

ارسل لنا تعليق

[blogger][disqus][facebook]