

تحقيق في آلية التكامل بين الجهد الرسمي والشعبي في زيارة الأربعين
بقلم د. فاضل علي، باحث في شؤون الثقافات واللغات الشرق أوسطية
تحقيق خاص
في مشهدٍ يتكرر سنويًا لكنه لا يفقد دهشته، تحوّلت محافظة كربلاء المقدسة، خلال أيام زيارة الأربعين، إلى مركز أكبر تجمع بشري سلمي في العالم، استقبل ملايين الزائرين من داخل العراق وخارجه. ووراء هذا المشهد الذي يبدو تلقائيًا وعفويًا، تكمن منظومة معقدة من التنسيق بين مؤسسات الدولة وجهود المجتمع الأهلي، شكّلت معًا شبكة خدمية واسعة يصعب فصل خيوطها.
الأرقام: حجم التحدي
أعلنت خلية الإعلام الأمني أن أكثر من 4,887,660 زائرًا وافدًا دخلوا العراق لإحياء المناسبة قادمين من خارج الحدود، فيما أكد رئيس مجلس الوزراء أن العدد الإجمالي للزائرين، بمن فيهم العراقيون، تجاوز 20 مليون شخص. وتزامن ذلك مع تصريحاتٍ لمنظمة الصحة العالمية اعتبرت فيها زيارة الأربعين واحدة من أكبر التجمعات البشرية السنوية في العالم، وهو تصنيفٌ دولي يمنح الحدث بعدًا يتجاوز التوصيف المحلي، ويضعه في مصاف أكبر الفعاليات الجماهيرية على مستوى الكوكب من حيث حجم الحشود والتحديات اللوجستية والصحية المصاحبة لها. هذا الحجم الهائل من الحشود يطرح سؤالاً جوهريًا: كيف تُدار حركة عشرين مليون إنسان في مساحة جغرافية محدودة، دون أن ينهار النظام اللوجستي؟
الاستجابة الرسمية: خطة التفويج العكسي
الإجابة الأولى تكمن في خطة "التفويج العكسي" التي أشرفت عليها وزارة النقل بالتنسيق مع الجهات الأمنية. فبحسب ما أكده مدير الإعلام والاتصال الحكومي في الوزارة، شاركت أكثر من 60 ألف مركبة في هذه الخطة، موزعة بين أكثر من 10 آلاف مركبة حكومية أو مؤجرة، وحوالي ألف مركبة تابعة للوزارة نفسها، بينما تكفّل القطاع الأهلي بتوفير أكثر من 50 ألف مركبة إضافية. ورافق ذلك تشغيل 12 قطارًا على خطي كربلاء–بغداد وكربلاء–البصرة، بواقع 20 رحلة يومية قابلة للزيادة.
وفصّل رئيس خلية الإعلام الأمني، الفريق سعد معن، البنية التنظيمية لهذه الخطة، موضحًا أنها قامت على تشكيل لجنة أمنية عليا وأخرى خدمية، إلى جانب لجنة مختصة بالنقل والتفويج العكسي ترأسها رئيس هيئة الحج والعمرة الشيخ سامي المسعودي. وأكد أن رئيس مجلس الوزراء تابع شخصيًا جميع تفاصيل الزيارة واهتم بتوفير متطلبات إنجاحها، فيما بلغ العدد التشغيلي للخطة 2400 حافلة عملت على مدار الساعة لنقل الزائرين من داخل كربلاء إلى خارجها عبر المحاور الشمالية والشرقية والجنوبية، مجانًا بالكامل، إضافة إلى 1200 عجلة تابعة لمختلف الوزارات. وأقرّ معن بوجود بعض الازدحامات الناتجة عن الكثافة الكبيرة للزائرين وتزامن حركتهم مع عجلات القطاع الخاص، لكنه أكد أن مؤشرات هذا العام سجلت تحسنًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات السابقة، مع استمرار متابعة اللجنة المشرفة حتى مغادرة آخر زائر كربلاء باتجاه محافظته أو منفذه الحدودي أو مطاره. واللافت في هذه الخطة، بحسب المسؤولين، أنها حققت "انسيابية غير مسبوقة" مقارنة بالسنوات السابقة، التي كانت تشهد عادة اختناقات ومعرقلات ابتداءً من اليوم السابع عشر من صفر. ويُعزى هذا التحسن إلى مرونة الخطة الأمنية التي ركّزت على إدخال مركبات النقل الجماعي وحجب المركبات الصغيرة، إلى جانب توسعة ساحات التوقف عند مداخل المدينة وداخلها.
تعدد مستويات القرار
لم يقتصر الإشراف على وزارة النقل وحدها؛ إذ ترأس رئيس مجلس الوزراء اجتماعًا مخصصًا لمتابعة سير الخطة، موجهًا بمواصلة التفويج العكسي حتى وصول آخر زائر إلى بيته بأمان، وبالشروع فورًا في التخطيط للزيارة القادمة. كما وجّه بصفته القائد العام للقوات المسلحة تحية للقطعات الأمنية المشاركة، مثنيًا على أدائها رغم الظروف المناخية الصعبة. وعلى المستوى الحدودي، أكد رئيس هيئة المنافذ الحدودية جاهزية المنافذ لاستكمال حركة التفويج.
وعلى الأرض، شكّل الحشد الشعبي أحد أبرز الأذرع التنفيذية لهذا التنسيق الأمني؛ إذ أعلن معاون رئيس أركان الهيئة لشؤون العمليات، ياسر حسين العيساوي، نشر أكثر من 54 ألف منتسب بواقع 70 فوجًا لتأمين الزيارة في مختلف المحافظات، إلى جانب افتتاح ثلاثة مقرات مسيطرة في محافظات الفرات الأوسط ضمن خطة قائمة على سبعة محاور. وأوضح أن قوات الهيئة انتشرت على جميع الطرق المؤدية إلى كربلاء، فيما شاركت معاونياتها ومديرياتها كافة في تقديم خدمات استثنائية للزائرين، بتنسيقٍ عالٍ مع القوات الأمنية ولجنة الزيارات المليونية. وفصّل قائد عمليات الفرات الأوسط في الحشد، اللواء علي الحمداني، هذا الانتشار بأرقام أكثر دقة: أكثر من 500 مفرزة طبية متنوعة، و24,450 مجاهدًا نفّذوا الخطة التنظيمية، و577 نقطة أمنية أُنشئت ضمن التغطية الميدانية لمحاور الزيارة.
هذا التعدد في مستويات الإشراف - من الحكومة المركزية إلى الأجهزة الأمنية والحشد الشعبي وهيئة المنافذ - يكشف عن بنية تنسيقية هرمية، تتقاطع فيها صلاحيات عدة جهات لخدمة هدف واحد.
البُعد الدبلوماسي: تسهيل ما وراء الحدود
وقبل أن تبدأ رحلة الزائر داخل الأراضي العراقية، كانت هناك طبقة تنسيقية سابقة لها لا تقل أهمية: فقد سجّلت وزارة الخارجية العراقية نجاحًا وُصف بأنه باهر، من خلال تسهيلها إجراءات دخول الزائرين القادمين من نحو 180 دولة، عبر التنسيق مع البعثات الدبلوماسية العراقية في الخارج وأجهزة التأشيرات والمنافذ الحدودية. هذا البعد الدبلوماسي، الذي كثيرًا ما يغيب عن التغطية المركّزة على الجانب الأمني واللوجستي المحلي، يكشف أن "الاستضافة العراقية" منظومة تبدأ من خارج الحدود، قبل أن تكتمل داخلها.
البُعد الصحي: جاهزية غير معلنة غالبًا
من الأبعاد التي تحظى باهتمامٍ إعلامي أقل، رغم أهميتها الحيوية، الجانب الصحي لإدارة هذا التجمع الضخم. فقد أكدت ممثلة منظمة الصحة العالمية في العراق، جميلة الراعبي، استمرار دعم المنظمة لوزارة الصحة العراقية وشركائها ضمن شراكة تهدف إلى تعزيز جاهزية النظام الصحي لمواجهة الاحتياجات التي تفرضها التجمعات البشرية الكبرى، وصولاً إلى حماية صحة الزائرين والعاملين الصحيين والمجتمعات المستضيفة. وشمل هذا الدعم التخطيط والاستعداد، وتقوية الترصد الوبائي والكشف المبكر عن الأمراض، إضافة إلى تدريب الكوادر الصحية على إدارة الإصابات الجماعية والاستجابة للطوارئ.
ولفتت الراعبي إلى أن المنظمة تتعاون ميدانيًا مع دائرة صحة كربلاء والحكومة المحلية والعتبتين الحسينية والعباسية المقدستين، في إطارٍ وصفته بأنه "نموذج متكامل للعمل متعدد القطاعات". وعلى صعيد التوعية المجتمعية، أوضحت أن أكثر من 300 متطوع خضعوا هذا العام لتدريبٍ على أنشطة التوعية الصحية، تناولت سلامة الغذاء والمياه والوقاية من الأمراض الانتقالية والحماية من الإجهاد الحراري، إلى جانب برنامج مخصص لبناء قدرات الإعلاميين على التغطية المسؤولة للقضايا الصحية خلال التجمعات الكبرى.
هذا الحضور الصحي الدولي، الذي يعمل في الغالب خلف الكواليس، يضيف طبقة أخرى إلى الصورة العامة: فنجاح إدارة الزيارة لا يقاس فقط بسلاسة حركة المركبات أو تأمين الطرقات، بل أيضًا بقدرة المنظومة الصحية على امتصاص الضغط الهائل الناتج عن تجمّع ملايين البشر في مساحة محدودة دون وقوع كارثة صحية.
التحدي المناخي: إدارة الزيارة تحت وطأة الحرارة القصوى
وأضاف إلى تعقيد المشهد اللوجستي والصحي عاملٌ بيئي لا يقل خطورة: فقد أكدت هيئة الأنواء الجوية والرصد الزلزالي أن درجات الحرارة خلال موسم الزيارة تراوحت بين 47 و50 درجة مئوية في مختلف المحافظات - إذ سجلت بغداد 49 درجة، وكربلاء المقدسة 48 درجة، فيما بلغت في البصرة والعمارة وذي قار 50 درجة مئوية. وأوضح المتحدث باسم الهيئة، عامر الجابري، أن هذه الفترة تمثل ذروة الحرارة السنوية الممتدة من أواخر تموز إلى بداية آب، بالتزامن التام مع موسم الزيارة، مشيرًا إلى أن رياحًا شمالية غربية خفيفة إلى معتدلة سببت تصاعد غبار محلي غير مؤثر في حركة الطرق أو الملاحة.
وبيّن الجابري أن قسم التنبؤ الجوي واصل تحديث الحالة الجوية وإصدار التحذيرات والتوصيات الخاصة بالزائرين منذ بداية مسيرهم إلى كربلاء، حفاظًا على سلامتهم، مشيدًا بجهود وزارة النقل في تأمين عودتهم إلى مناطقهم. وهذا التحدي المناخي يُبرز بعدًا إضافيًا لحجم المجهود المبذول: فالمنظومة الأمنية واللوجستية والصحية لم تكن تدير فقط أعداد الحشود وحركتها، بل كانت تفعل ذلك في ظل درجات حرارة تقترب من حاجز الخمسين، وهو ما يفسر التركيز الكبير - كما أشارت منظمة الصحة العالمية - على التوعية بالإجهاد الحراري وسلامة الغذاء والمياه كجزء أصيل من خطة إنجاح الزيارة.
الإقليم والمحافظات: تكامل جغرافي وسياسي
خارج بغداد وكربلاء، تُظهر خارطة المشاركة بعدًا آخر يستحق التوقف عنده. ففي أربيل، أعلن محافظ المدينة أوميد خوشناو تشكيل لجنة عليا لتوفير الخدمات الأساسية لزوار الأربعين الداخلين إلى العراق عبر منافذ الإقليم الحدودية، كاشفًا عن دخول نحو 160 ألف زائر عبر معبر حاج عمران وحده حتى تلك اللحظة، قادمين بشكل رئيسي من إيران ودول أجنبية أخرى. وأشاد المحافظ بدور مؤسسة البارزاني الخيرية في تسهيل الخدمات، مؤكدًا وجود تنسيق مستمر بين اللجان المشتركة في الإقليم ونظيراتها الإيرانية، تمهيدًا لتأمين التفويج العكسي السلس للزائرين بعد انتهاء المراسم.
وأكد هذا التنسيق أيضًا ممثل القنصلية الإيرانية في أربيل، مشيرًا إلى أن موكبًا سنويًا يُقام للعام الخامس على التوالي في مركز المدينة لاستقبال الزائرين، بدعمٍ مباشر من حكومة الإقليم ومؤسسة البارزاني الخيرية، شمل خدمات الأمن والإقامة والصحة والنقل، مع خفض أجور النقل تخفيفًا عن الزائرين. واعتبر أن استمرار هذا الموكب الضخم في عاصمة الإقليم، رغم الظروف الإقليمية الراهنة، يعكس عمق الروابط الشعبية والرسمية بين الجانبين.
وفي موازاة هذا الحضور الكردستاني، انخرطت محافظات ذات غالبية سنية بكل ثقلها في تقديم الدعم اللوجستي والإنساني للزائرين، من مواكب خدمية ونقاط استراحة إلى وسائل نقل ومواد غذائية وطبية. وهذا التداخل الجغرافي والسياسي - إقليم، محافظات سنية، محافظات شيعية - في خدمة مناسبة ذات طابع مذهبي محدد، يشير إلى أن الزيارة تجاوزت، على مستوى الفعل الميداني، الحدود التي قد يُفترض أنها تحصرها.
الخطاب الرسمي وترجمته الميدانية
واكب هذا الجهد الميداني خطاب سياسي رفيع المستوى؛ إذ اعتبر رئيس الجمهورية أن أربعينية الإمام الحسين مناسبة يُستحضر فيها الحق والعدل والتضحية، بينما وصف رئيس مجلس الوزراء كربلاء بأنها "بقعة الجود والبطولة والشهادة" التي تضافرت فيها الجهود لخدمة الزائرين. والسؤال الذي يطرحه هذا التحقيق: هل هذا الخطاب مجرد مواكبة رمزية، أم انعكاس فعلي لأولوية سياسية تُترجم إلى قرارات وموازنات وتنسيق مؤسسي؟ المعطيات الميدانية - من حجم المركبات المرصودة إلى جاهزية المنافذ والتسهيلات القنصلية والصحية، وصولاً إلى تصنيف منظمة الصحة العالمية للحدث وإدارة التحديات المناخية القصوى - تُرجّح الاحتمال الثاني، وإن بقي التقييم الشامل لكفاءة الإنفاق وآليات المحاسبة خارج نطاق التصريحات المعلنة.
خلاصة: نموذج هجين
ما يكشفه هذا التحقيق هو أن نجاح إدارة زيارة الأربعين لا يعود إلى عامل واحد - لا إلى الكرم الشعبي التلقائي وحده، ولا إلى التخطيط الحكومي المحض - بل إلى نموذج هجين تتشابك فيه خطط الدولة الرسمية (النقل، الأمن، المنافذ الحدودية، الدبلوماسية القنصلية، الجاهزية الصحية والمناخية) مع الفعل الأهلي التطوعي (المواكب، أصحاب البيوت، سيارات القطاع الخاص). وهذا التشابك، الذي يتكرر عامًا بعد عام دون إطار قانوني مكتوب يحكمه بالكامل، يظل رغم نجاحه الظاهري بحاجة إلى تقييم مؤسسي أكثر شفافية: كم تكلف هذه الخطة فعليًا؟ وما آليات المحاسبة على الإنفاق الحكومي المرصود لها؟ أسئلة تبقى مفتوحة لتحقيقات لاحقة.
إرسال تعليق