
بقلم: د. فاضل علي، باحث في شؤون الدراسات شرق الاوسط
في تطور يُعدّ الأخطر من نوعه منذ سنوات، نفذت القوات الأمريكية بالاشتراك مع القوات المسلحة السعودية، فجر الأربعاء 29 يوليو/تموز 2026، ضربات جوية مشتركة استهدفت مواقع لوجستية ومستودعات أسلحة تابعة لهيئة الحشد الشعبي في سبع محافظات عراقية، هي بغداد وواسط ونينوى والبصرة وكركوك وكربلاء وديالى. وأسفرت الغارات عن مقتل 20 عنصرًا وإصابة 32 آخرين، بحسب بيان صادر عن الحشد الشعبي نفسه.
حين ينقلب الشقيق على شقيقه
في القصة القرآنية، لم يكن الخطر الذي هدد يوسف من عدو غريب، بل من إخوته أنفسهم؛ ومن هذا الرمز تحديدًا تكتسب هذه الضربة دلالتها المؤلمة: فهذه المرة الأولى التي تُعلن فيها الرياض رسميًا مسؤوليتها عن ضربات داخل الأراضي العراقية، أي أن دولة عربية مسلمة تشارك مباشرة في قصف بلد عربي مسلم شقيق. وبصرف النظر عن المبررات الأمنية المعلنة، فإن المشهد بحد ذاته - طائرات سعودية تقصف أرضًا عراقية - يفتح جرحًا رمزيًا عميقًا في فكرة "الأخوة العربية" التي طالما استُخدمت شعارًا أكثر منها واقعًا.
ماذا حدث على الأرض العراقية
طالت الضربات مواقع الحشد الشعبي، وهو تشكيل يندرج ضمن القوات الأمنية الرسمية للدولة العراقية، تأسس عام 2014 مع تقدم تنظيم داعش، ولعب دورًا محوريًا في دحر التنظيم واستعادة الأراضي العراقية قبل دمجه رسميًا في مؤسسات الدولة عام 2016. أي أن الاستهداف لم يطل جماعة هامشية، بل قوة معترف بها ضمن الهيكل الأمني الرسمي للعراق - وهو ما يزيد من حساسية الحادثة كخرق مباشر للسيادة العراقية.
بغداد: إدانة وتشكيك
عقد رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي اجتماعًا طارئًا للمجلس الوزاري للأمن الوطني، وأدانت الحكومة والرئاسة العراقيتان الضربات واعتبرتاها انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية. واللافت أن بغداد شككت صراحة في الرواية السعودية، مشيرة إلى عدم وجود أدلة تثبت انطلاق الهجمات فعليًا من الأراضي العراقية. كما أكد المجلس الأمني العراقي مضيه في وضع خطة أمنية للتصدي لأي انتهاك جديد للسيادة، مع الاستمرار في تنفيذ اتفاق انسحاب التحالف الدولي من العراق.
وترتب على هذا التصعيد تأجيل زيارة رسمية كانت مقررة لرئيس الوزراء العراقي إلى الرياض - وهي الزيارة التي مثّلت خطوة مفصلية في مسار التقارب العراقي–السعودي المتنامي خلال الأشهر الأخيرة، والتي بات مستقبلها اليوم موضع شك حقيقي.
العراق بين نارين: السيادة والاستهداف المتكرر
المفارقة المؤلمة أن العراق، الذي أنهك شعبه عقودًا من الحروب والحصار والاحتلال، يجد نفسه اليوم مجددًا أرضًا مستباحة لضربات خارجية - هذه المرة من دولة عربية شقيقة لا من عدو تقليدي. فبصرف النظر عن هوية من أطلق المسيّرات فعليًا، فإن الثمن الذي دُفع كان عراقيًا خالصًا: عشرون قتيلاً واثنان وثلاثون جريحًا، ومحافظات عراقية مستباحة، ودولة عراقية تُعامل كساحة تأديب لا كشريك ذي سيادة.
خلاصة: جُبّ جديد
كما ألقى إخوة يوسف أخاهم في الجُبّ ثم ادّعوا البراءة، يجد العراق نفسه اليوم في موقع الأخ الذي يُستهدف من "شقيقه" العربي، بينما يُطلب منه أن يتفهّم المبررات الأمنية لمن قصفه. والسؤال الذي يفرض نفسه على كل عراقي اليوم: كم مرة بعد سيتكرر هذا المشهد قبل أن تعني "الأخوة العربية" شيئًا فعليًا على الأرض، لا مجرد شعار يُرفع في القمم ويُداس في الميدان؟
إرسال تعليق