
بقلم: د. فاضل علي، باحث في شؤون الدراسات الإيرانية
لم تكن زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى طهران، في الثالث والعشرين من تموز الجاري، محطة بروتوكولية عابرة تُضاف إلى سجل الزيارات المتبادلة بين البلدين، بقدر ما كانت محاولة جادة لإعادة تعريف طبيعة العلاقة نفسها: الانتقال بها من فضاء الحسابات الأمنية الضيقة إلى أفق الشراكة المؤسسية الممتدة، القائمة على التنمية، والبنى التحتية، والاستقرار الإقليمي المستدام.
توقيع أربع ركائز
رعى الزيدي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان توقيع أربع اتفاقيات ومذكرات تفاهم، شكّلت العمود الفقري للزيارة: اتفاقية للشحن والنقل البري تفتح الباب أمام خفض كلف التبادل التجاري، ومشروع سكة حديد يربط كرمانشاه بخانقين وبغداد عبر خسروي، إلى جانب توأمة إدارية بين أمانة بغداد وبلدية طهران، وبرنامج لتدريب الكوادر الحكومية. أربع وثائق، لكنها تحمل دلالة واحدة: أن البلدين يراهنان على الربط لا على الاحتواء، وعلى المشاريع الملموسة لا على التصريحات العابرة.
أمن مشترك، وامتنان صريح
في اللقاءات الموسّعة، أكد الجانب العراقي على عمق الروابط الحضارية والجغرافية والدينية بين البلدين. وأعلن الزيدي بوضوح أن أمن العراق وإيران أمن واحد، وأن بغداد لن تسمح بانطلاق أي تهديد ضد إيران من الأراضي العراقية، في التزام يعيد تأكيد الاتفاقيات الأمنية القائمة. كما أعرب عن تقديره لموقف إيران الداعم للعراق خلال الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، ووصفه بأنه "موقف شرافة"، بحسب بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء العراقية، جاء ذلك في سياق ترؤسه الوفد العراقي في المباحثات المشتركة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وامتدت المباحثات إلى الملف القضائي، حيث بحث الزيدي مع رئيس السلطة القضائية الإيرانية سبل التعاون في مكافحة الفساد، كما تناول اللقاء البرلماني التعاون التشريعي وقراءة مشتركة للمتغيرات الإقليمية.
خريطة طريق لا بيان ختامي فحسب
البيان المشترك الصادر عن الزيارة لم يكتفِ برصد ما تحقق، بل رسم مساراً للمستقبل: تكليف بصياغة وثيقة استراتيجية شاملة تجمع الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية في إطار مؤسسي ثابت، وإرساء لجنة عليا مشتركة تجتمع سنوياً بالتناوب بين العاصمتين. كما تضمن البيان التزاماً بالإسراع في إنجاز خط سكة حديد البصرة–الشلامجة، وتوسيع التعاون المصرفي والمالي، وصولاً إلى ملف بيئي بات مُلحّاً: مواجهة الجفاف، وإدارة الموارد المائية المشتركة، والتصدي للعواصف الترابية، وحماية الأهوار. أما على الصعيد السياسي الإقليمي، فقد جدد البلدان التزامهما بدعم الحلول الدبلوماسية للأزمات، والتمسك بالموقف الثابت تجاه الحق الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس.
قراءة في المعنى الاستراتيجي
ما يمكن استخلاصه من هذه الزيارة أنها تعبّر عن محاولة عراقية لصياغة نموذج "توازن فاعل" غير تقليدي: عراق لا ينسحب من التزاماته الأمنية تجاه جواره، لكنه في الوقت نفسه يسعى لتظهير نفسه كمركز إقليمي للحوار والاستثمار، لا كساحة لتصفية الحسابات. وهذا التحول، إن ترجم فعلياً على الأرض عبر مشاريع البنية التحتية والربط الاقتصادي، قد يمنح بغداد هامش مناورة أوسع في محيط إقليمي شديد التعقيد، ويمنح طهران بدورها متنفساً اقتصادياً في ظل الضغوط التي تواجهها.
يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه الاتفاقيات من حبر على ورق إلى مشاريع منجزة على الأرض؟ الإجابة رهينة بمدى جدية اللجنة العليا المشتركة المرتقبة، وقدرة الطرفين على تجاوز عقبات التمويل والتنفيذ التي أعاقت مشاريع مشابهة في السنوات الماضية.
إرسال تعليق