
حسن درباش العامري
لا ندري لماذا يتصرف كثير ممن يشغلون المناصب في الدولة وكأنهم أوصياء على الناس، وكأن الشعب فاقد للأهلية العقلية والنفسية، أو عاجز عن التمييز بين الصواب والخطأ. ينسون، أو يتناسون، أن في هذا البلد علماء وأكاديميين وأصحاب شهادات عليا ومفكرين وخبراء في مختلف العلوم والمعارف، وأن الشعوب لا تُقاد بمنطق الوصاية، بل تُحترم إرادتها ويُحتكم إلى عقلها.
فما إن نفيق من تصريح حتى نستقبل آخر أكثر غرابة منه؛ فهذا مسؤول يتحدث عن تخصيص راتب للإمام المهدي (عج)، وآخر يدافع عن منح رواتب لفئات معينة لتشمل حتى الزوجات الأجنبيات، وثالث يطالب بمخصصات خدمة جهادية، وكأن المال العام ملك شخصي يُمنح ويُمنع بحسب المزاج السياسي، لا أمانة أودعها الشعب بين أيديهم.
ولعل أكثر ما يثير استغراب العراقيين اليوم هو تلك المرتبات والامتيازات الفلكية التي يتقاضاها أصحاب المناصب الخاصة والنواب، والتي لا تتناسب مع واقع بلد ما زال ملايين من أبنائه يعانون البطالة، وسوء الخدمات، وارتفاع تكاليف المعيشة. فأي عدالة اجتماعية تلك التي تجعل النائب أو المسؤول يتمتع برواتب ومخصصات وحمايات وأسطول من السيارات، بينما يقف المواطن ساعات طويلة بانتظار خدمة كهرباء أو دواء أو فرصة عمل؟
إن الشعب لم يفوض أحداً ليكون سيداً عليه، بل فوضه ليكون خادماً له. وعليه فإن الشعب من حقه أن يعيد تعريف مفهوم الخدمة العامة، وأن يقول بصوت واضح: إن النائب والمسؤول موظف لدى الشعب، وليس العكس. وإذا كان النواب يمثلون الإرادة الشعبية حقاً، فإن الإرادة الشعبية تقول إن خدمة الوطن ليست باباً للثراء، وإنما تكليف ومسؤولية.
ومن هنا فإننا نرى أن الراتب الذي يتقاضاه النائب يجب أن يكون راتباً معقولاً لا يزيد على خمسة ملايين دينار عراقي، وهو مبلغ يكفي ليحيا حياة كريمة تليق بموقعه الوظيفي دون مبالغة أو ترف. كما نرى أن تُخصص له سيارة واحدة فقط لأداء مهامه الرسمية، يرافقه فيها سائق واحد وعنصر حماية واحد، فهذا هو القدر الكافي والمعقول الذي ينسجم مع طبيعة عمله، أما مظاهر المواكب الطويلة وعشرات الحمايات والسيارات والمخصصات، فهي امتيازات لا تليق بدولة تسعى إلى تحقيق العدالة بين أبنائها.
إن النائب الحقيقي هو من يستطيع أن يسير بين الناس دون حواجز، وأن يشعر بما يشعرون به، وأن يعيش بعض ما يعيشونه من معاناة. فكيف لمن لا يعرف سعر الخبز والدواء وإيجار المنزل أن يشعر بوجع الناس؟ وكيف لمن أحاط نفسه بالامتيازات أن يدرك معنى أن ينتظر المواطن البسيط راتبه آخر الشهر ليسدد به ديونه؟
لقد آن الأوان لأن ننتقل من دولة الامتيازات إلى دولة الحقوق، ومن ثقافة الوصاية إلى ثقافة المواطنة، ومن مفهوم "ماذا سنمنح المسؤول؟" إلى مفهوم "ماذا قدم المسؤول للوطن؟". فالمناصب ليست غنائم حرب، ولا جوائز ترضية، وإنما مسؤوليات يحاسب عليها أصحابها أمام الله والشعب والتاريخ.
إن الشعوب الواعية لا تحتاج إلى أوصياء، وإنما إلى مسؤولين متواضعين يدركون أن المناصب زائلة، وأن الكرسي لا يصنع الرجال، بل الرجال هم من يمنحون الكراسي قيمتها. وما نطالب به ليس حرماناً لأحد، بل عدالةً للجميع، فحين يشعر المواطن أن من يمثله يعيش قريباً من واقعه، ويشاركه همومه، سيعود الإيمان بالدولة ومؤسساتها.
وليعلم كل مسؤول أن الشعب الذي منحه صوته قادر على أن يمنحه احترامه إذا أحسن، وأن يسلبه ثقته إذا أساء. فالسيادة للشعب، والوظيفة العامة خدمة له، لا وصاية عليه.
إرسال تعليق