
بقلم/كمال سمين إبراهيم
عندما كنا أطفالًا، أنا وأقراني من مواليد التسعينيات، كانت الحياة بسيطة جدًا بالنسبة إلينا، وكانت الأرقام سهلة، فكنا نتداولها لإجراء عمليات حسابية بسيطة أحيانًا، أو لتحديد الرابح والخاسر في ألعاب الأطفال أحيانًا أخرى، ولم نكن نتخيل أرقامًا كبيرة ابدًا؛ فكان ألف دينار عراقي شيئًا كبيرًا، نشتري به الكعك والعلكةوالعصير، وكنا ندخر منه أحيانًا للأعياد.
كنا نظن أن جميع أفراد المجتمع يكتفون بما نكتفي به نحن، وأن الحياة ستستمر معنا هكذا، بهذه القيمة التي كان يمثلها الألفدينار، وكحال جميع أحلام الطفولة القصيرة، لم يدم هذا الحلم طويلًا، فسرعان ما سحبتنا الحياة إلى واقعها، لتعلمنا ما لم نكن نعلم.
كبرنا وأصبحت الأرقام صعبة والواقع معقد، وأصبحنا نسمع عن أجور الكهرباء، والعجب أننا نسددها إلى جهتين: أجور كهرباء للحكومة، وأجور للكهرباء الأهلية، ثم سمعنا بأجور الماء، وتعجبنا أيضًا أننا نسددها لجهتين ايضا؛ إحداهما للحكومة، والأخرى لمن يبيع لنا الماء الصالح للشرب، لأن ماء حكومتنا كأفرادها غير صالح للاستعمال البشري، لم نستوعب ما يحدث، لأننا نعرف ان شعوب دول العالم الأخرى لا تسدد فاتورتين للشيء نفسه، وإنما فاتورة واحدة فقط، ثم دخل الإنترنت إلى حياتنا، فأصبح علينا أن ندفع فاتورته أيضًا، وكان يصلنا بأدني جودة.
ورأينا ما لم نكن قد رأيناه من قبل؛ نراجع المستشفيات الحكومية، فيكتب لنا الطبيب وصفة علاجية يجب علينا شراؤها من خارج المستشفى، ولم يعد الأمر مقتصرًا على ذلك، بل صار علينا أن ندفع لكل دائرة حكومية نراجعها أجور ورقة واحدة، وعددًا من التواقيع والختم لتستعيد الدولة جزءًا مما تمنحه لنا من رواتب عبر مؤسساتها المختلفة، وكلما تقدمنا في العمر بدأت تظهر التزامات أخرى، كضرائب البنى التحتية وغيرها، دون أن نفهم الهدف منها، لأننا لم نرَ حكومة تنشئ بنى تحتية حقيقية في العراق كما رأيناهفي دول اخرى.
وبعد تخرّجنا من مدارس متهالكةٍ وفي برد العراق القارس الذي كنانجلس فيه على مقاعد خشبية وكان الهواء كسكين يشحذ نفسه على رقابنا وجسم يرتجف والاسنان تصطك، لعلها تولد حرارة لإنسان يعيش في أغنى أراضي العالم ويمشي فوق بحرٍ من النفط، واما الصيف في المدارس فلا كلام عنه يسلب وعينا وتركيزنا ونحن داخلالمدرسة فنقع جميعًا، الطلابَ والمدرسينَ في حالة من الإنهاك، ننتظر فقط أن نخرج من المدرسة لا أكثر دون أي قدرة على التعلم في بناءمدرستنا الهالك الحار.
ومع ذلك كله تخرّجنا من الإعدادية ودخلنا الجامعة لنكتشف ما كنا نسمعه منذ طفولتنا عن مجانية التعليم مجرد كذب، فالجامعة تفرض علينا تطبيقات إلكترونية بمبالغ باهظة على الطالب الجامعي، لا نعرف ما فائدتها ربما انها لرفع تصنيف الجامعات العراقية في العالم، بهذه الطريقة المبتكرة! وأيّ إجراء للطالب لا يتم إلّا بدفع رسومه الخاصة.
ثم صدمنا الواقع في السنوات الماضية القريبة بصدمة جديدة، وهو ما يسمى بسعر بتغير صرف الدولار؛ فما تعلنه الحكومة المحترمة جداً!، من سعرٍ للدولار يختلف اختلافًا كبيرًا عمّا يتعامل به السوقوأصبح الدولار وسيلةً جيدةً المضاربين وسببًا في قلق الشعب وفقره، فمن يملك، غير الطبقة الفاسدة هذه الكميات من الأموال ليربح ما يربحه من محنة الشعب، فأصبحنا نشعر بالدوار، ولم نعد قادرين على توقع ما قد ينتظرنا في هذا البلد في المستقبل، وأصبح ألف دينار الذي كان يكفينا ولم يعد له أي قيمة، حتى في بعض الأحيانلا يرضى به بعض المتسولين.
أخذ الواقع يسخر منا، ويفرض علينا الانتظار الطويل من أجل الحصول على مستحقاتنا المالية مقابل ما نقدمه من خدمات للدولة،وبدأت المستحقات الشهرية تتأخر يومًا في بداية الأمر، حتى أصبح صرفها قبل نهاية ـالشهر معجزة، هذا إن لم تُؤجل إلى الشهر التالي، وكأنهم مُكرَهون على صرفها، ويخرج بين يومٍ وآخر عبقري من عباقرة الحكومة ليُقلق الموظفين بتصريحات مثل: (زيادة أعداد الموظفين، الدولة غير قادرة على صرف الرواتب، ستٌصرف الرواتبكل أربعين يومًا)، ليفقد الموظف البسيط عقله فلا يدري هل يصرف راتبه على أموره الأساسية أم يدّخر لأنه لا يعرف هل يصرف راتبه الشهر القادم ام لا.
هذا السرد البسيط جدًا ليس إلا جزءًا ممّا عاناه السواد الأعظم من أبناء هذا الجيل؛ من التضخم، وانعدام الأمن الاقتصادي والمالي، وفقدان القيمة الحقيقية للعملة المحلية، وازدياد النفقات والأعباء الاقتصادية المتزايدة، دون التطرق الى سوء الوضاع الأمنية والحرب وسيطرة داعش والفوضى السياسية وانعكاسات كل ذلك في حياة هذا الجيل.
إلا أن كان الأسوأ في حياتنا معاصرتنا للحكومات جميعها التي جاءت بعد عام 2003، وسماعنا المتكرر عن الفساد المالي في الحكومات، وكيف يمكن لشخص لا يبدل جهدًا بدنيًا او فكريًا أن يصبح من اصحاب المليارات في العراق، لمجرد انه يعمل فيمؤسسات الدولة، ويعيش هو وعائلته برخاء وبذخ دون أي اهتمام بمعاناه الشعب، طبقة راكمت ثرواتها عبر الفساد والحرام.
يتعجّب أبناء هذا الجيل ويتساءلون: كيف يمكن لأموال الشعب أن تنتقل إلى أشخاص دون أي رقابة أو محاسبة؟ وكيف يمكن لشخص متهم بسرقةِ ما يقارب ثلاثة مليارات دولار أن يخرج من السجن بكفالة، ثم يختفي لينعم بحياته بعد ذلك، وكيف يمكن لموظف بسيط أن يمتلك مليارات أو تريليونات من الأموال، وعشرات العقارات والسيارات، ومئات الأسلحة؟!
ما كل هذا؟ هل فقدنا عقولنا، أم أن كل هذا حقيقةٌ؟ كيف اننيموظف حكومي منذ سنوات وأستلم المبلغ نفسه، دون زيادة فلسٍواحدٍ منذ سنوات، وقيمة راتبي تنخفض يومًا بعد يوم بفعل التضخم وتذبذب اسعار الدولار وغيرها من الأسباب، بينما يزداد الآخرون ثراءً على حساب أموال الشعب، دون أن يعيروا أي اهتمام لغضبي واستيائي.
ولا بد من تطعيم المسلسلات بمشاهد أكشن ومواقف بطولية لنجم المسلسل، يخرج في كل فترة شخص ويدّعي أنه جاء لمحاربة الفساد والفاسدين ولبناء مشروع دولة، لنراه يقول في اليوم التالي:(إننا سنساومهم على إرجاع الأموال المسروقة) أي منطق قانونيمبني على المساومة أليس القانون قائمًا على تجريم الأفعال غير المشروعة ومعاقبة مرتكبيها؟، كيف يريدون مني أن أصدق كل هذا الهراء، وأنا الذي تعلمت من الحياة الكثير، ولم أعد ذلك الطفل الذي لا يعرف إلا متعة اللحظة حين يجتمع مع أقرانه؟ يريدون مني أن أعيش كل فضيحة الفساد في حالة غضب عابرة كما في الطفولة، ثم أواصل حياتي وكأنَّ شيئًا لم يحدث، ليستمروا في الاغتناء من أموال الشعب مرة أخرى.
لا... هنا تكمن نقطة التناقض بيننا؛ فهذا الجيل بدأ يعي واقعه، والجيل الذي يليه أشدُّ وعيًا بحقيقة ما يجري، وبالتفاوت الطبقي القائم، وهنا تحديدًا تبدأ نهاية أي حكومةٍ لا تمنح مواطنيها فرصة للحياة الكريمة، نهض بالفعل أبناء هذا الجيل وادركوا وبدؤوابالاعتراض والمساءلة، فمن يشهد واقع الاحتجاجات والاعتصامات والمظاهرات في العراق، يرى الوجه المشرق والمظلم في نفس الوقت،فالمشرق هو وعيهم بواقعهم، والمظلم هو استمرار نهب المال العام من قبل أفراد الحكومة والسياسيين الفاسدين دون أي اهتمام بغضب الشباب، ويزداد الطين بلة عندما يخرج مسؤول ليعلن إلقاء القبض على احدى المتهمين بالفساد قدره تريليونات من أموال الشعب؛ فحينها يغلي الشعب مرتين: مرة بسبب السرقات نفسها، ومرة لأنه يعلم أن هذه القضايا انتقائية وسياسية وغالبًا ما تنتهي دون محاسبة حقيقية.
أما أكثر ما يثير غرابة سلوك الطبقة الفاسدة فيكمن في اعتقادها أن امتلاكها مئات الآلاف من الأصوات الانتخابية، وعشرات النواب والوزراء والمسؤولين والموظفين والأسلحة والأتباع وملايين الدولارات، يجعلهم في منأى عن الزوال، متناسينَ تاريخ العراق الحديث بأكمله.
وكم من حركة بسيطة، بل كانت أحيانًا عفوية، أنهت حقبة كاملة من الفساد ومن كان يقف وراءها، وكيف لم يساند الشعب الفاسدين في لحظات سقوطهم، وكيف تسقط الأنظمة في العراق التي لا تعير أهمية لهموم الشعب بدءا من النظام الملكي بعد أعوام من تسلطه على رقاب الشعب ودعمهم الدولي والإقليمي الكبير دون أي حزن عليهم وكيف ودعهم الشعب بالابتهاج ونزل إلى الشوارع.
هكذا تنهار المنظومات في لحظات عندما تُفقَد ثقة الشعب بسبب الهوة الكبيرة بين الطبقات، يظن الفاسدون أن التاريخ لن يطرق أبوابهم، إلا أن بوادر الوعي قد ظهرت، وما زالت مستمرة، وما على من يشك في ذلك إلا أن يتابع الاحتجاجات المتواصلة، التي تخرج فيها كل أطياف الشعب للمطالبة بحقوقهم البسيطة، وهي حقوق لايخرج لمطالبة بها أي مواطن في دولة أخرى لأنه أصبح من بديهيات حياة البشر، هذا الجيل الذي لا يزال يمتلك شبابه الف دينار دون أي قيمية تذكر له أصبح واعياً وقادرًا على تشخيص الخطأ ومدركاً للصواب، هم أساس الإصلاح المستقبلي وهم من يقع عليهم إصلاحالنظام القائم ومحاسبة الفاسدين بشكل حقيقي وان يدونوا التاريخ وما حدث وكيف عاشوا، لكي لا يضطر أبناء الأجيال القادمة إلى ان يعيشوا ما عشناه، ولتلاحق الفاسدينَ لعنة التاريخ إلى الأبد، ولعل برأيي أعظم يجب على أبناء هذا الجيل ان يورثوه للأجيال القادمة هو الحقيقة وليس المال، وهو حقيقة ما عشناه حتى لا يُخدع من بعدنا بالشعارات الرنانة التي ستطرق مسامعهم بلا أي شك من جديد على يد من يريدون مجدداً ان يغتنوا من أموال الشعب.
إرسال تعليق