
زيارة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي إلى الولايات المتحدة… بوابة الشراكات الاستراتيجية وبناء اقتصاد المستقبل
الدكتورة/ نادية الجدوع
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية، لم تعد العلاقات الدولية تُقاس بحجم التفاهمات السياسية فحسب، بل أصبحت تُبنى على المصالح الاقتصادية، والشراكات الاستثمارية، ونقل التكنولوجيا، وصناعة المستقبل. ومن هذا المنطلق، تكتسب الزيارة الرسمية التي أجراها رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الولايات المتحدة الأمريكية أهمية استثنائية، كونها تمثل أول زيارة خارجية له منذ تسلمه رئاسة الحكومة، وتركز بصورة واضحة على تعميق التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات العالمية إلى العراق.
لقد حملت هذه الزيارة رسالة مفادها أن العراق يدخل مرحلة جديدة عنوانها الاقتصاد أولاً، وأن الحكومة تتطلع إلى تحويل العراق من دولة تعتمد بصورة رئيسية على العوائد النفطية إلى دولة منتجة، تمتلك اقتصاداً متنوعاً قائماً على الصناعة والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والمعرفة.
ويمتلك العراق من المقومات الاقتصادية ما يجعله من أغنى دول المنطقة؛ فهو يحتضن احتياطيات نفطية هائلة، وثروات كبيرة من الغاز الطبيعي، إلى جانب المعادن الاستراتيجية، والكبريت، والفوسفات، والسيليكا، والأراضي الزراعية الخصبة، والموقع الجغرافي الذي يجعله محوراً لطرق التجارة الإقليمية والدولية. لكن هذه الثروات بحاجة إلى إدارة حديثة وشراكات اقتصادية عالمية لتحويلها إلى قيمة مضافة وفرص عمل ونمو مستدام.
وتعكس الزيارة توجهاً نحو تعزيز التعاون مع الشركات الأمريكية في مجالات النفط والطاقة والبنى التحتية، مع التركيز على استقطاب الاستثمارات، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتطوير المشاريع الكبرى التي تسهم في إعادة بناء الاقتصاد العراقي وتعزيز قدرته التنافسية. كما أعلن رئيس الوزراء أن الشراكة مع الولايات المتحدة تستهدف انتقال العلاقة من الجانب الأمني إلى الجانب الاقتصادي والاستثماري، مع توسيع حضور الشركات الأمريكية في العراق.
إن الاقتصاد العراقي يمتلك فرصة تاريخية للانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على القيمة المضافة، عبر إنشاء المصافي الحديثة، والصناعات البتروكيمياوية، ومشروعات الغاز، والصناعات التحويلية، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية، بما يجعل العراق مركزاً إقليمياً للطاقة والاستثمار والتجارة.
ولا يمكن لأي نهضة اقتصادية أن تتحقق دون إصلاحات مؤسسية متكاملة، تشمل تحديث التشريعات الاستثمارية، وتطوير النظام المالي والمصرفي، وتسهيل إجراءات الاستثمار، ومكافحة الفساد، وتعزيز الحوكمة والشفافية، بما يرسخ ثقة المستثمرين ويخلق بيئة اقتصادية مستقرة وآمنة.
إن مستقبل العراق لا ينبغي أن يُبنى على تصدير النفط الخام فقط، وإنما على تصنيع الثروة الوطنية، واستثمار الموارد الطبيعية، وتمكين القطاع الخاص، وتشجيع الابتكار، وتحويل الجامعات ومراكز البحث إلى حاضنات للإبداع الاقتصادي، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة ويؤسس لاقتصاد المعرفة.
واليوم، يقف العراق أمام فرصة نادرة لإعادة رسم مكانته الاقتصادية في المنطقة والعالم. وإذا ما تُرجمت مخرجات هذه الزيارة إلى اتفاقيات عملية ومشروعات استراتيجية، فإنها ستشكل نقطة تحول حقيقية نحو بناء اقتصاد وطني قوي، قادر على مواجهة التحديات، وتحقيق التنمية، وخلق فرص العمل، وتعزيز رفاهية المواطن العراقي.
إن العراق لا ينقصه المال ولا الموارد، بل يحتاج إلى رؤية اقتصادية بعيدة المدى، وإدارة كفوءة، وشراكات دولية ذكية، تجعل من ثرواته الطبيعية والصناعية والزراعية قاعدة لانطلاقة تنموية شاملة. وستبقى الشراكات الاقتصادية الناجحة هي الجسر الذي يعبر بالعراق من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج، ومن تحديات الماضي إلى آفاق الازدهار والاستقرار والتنمية المستدامة.
إرسال تعليق