العربية
English
کوردی
عاجل
جاري تحميل الأخبار...
/* حذف breadcrumb + meta في صفحة المقال فقط */ body.item-view .breadcrumbs, body.item-view .breadcrumb, body.item-view [class*="breadcrumb"], body.item-view .post-meta, body.item-view .entry-meta, body.item-view .post-info, body.item-view .post-footer, body.item-view .post-labels, body.item-view .post-author, body.item-view .post-date, body.item-view .comment-link, body.item-view [class*="post-meta"], body.item-view [class*="entry-meta"], body.item-view [class*="byline"] { display: none !important; visibility: hidden !important; height: 0 !important; min-height: 0 !important; margin: 0 !important; padding: 0 !important; overflow: hidden !important; } /* تقليل الفراغات حول العنوان */ body.item-view .post, body.item-view .post-outer, body.item-view .post-header, body.item-view .post-title, body.item-view h1.post-title, body.item-view .entry-title { margin-top: 0 !important; padding-top: 0 !important; } /* تقريب الصورة من العنوان */ body.item-view .post-body, body.item-view .entry-content { margin-top: 0 !important; padding-top: 0 !important; article p, .entry-content p, .post-body p, .post p, .item-content p { margin: 0 !important; margin-bottom: 5px !important; padding: 0 !important; line-height: 1.4 !important; }

​*الزيدي وإعادة تعريف هوية الدولة العراقية... عندما يقود الاقتصاد السياسة*


ناجي الغزي

هناك لحظات في تاريخ الدول لا يكون فيها الإنجاز الحقيقي هو توقيع اتفاقيات أو عقد شراكات، بل تغيير فلسفة إدارة الدولة نفسها. ويبدو أن رئيس مجلس الوزراء الأستاذ علي فالح الزيدي يحاول، منذ توليه المسؤولية، إعادة ترتيب أولويات الدولة العراقية، عبر نقل مركز الثقل من السياسة إلى الاقتصاد، ومن إدارة الصراعات إلى إدارة التنمية.

فعلى مدى أكثر من عقدين، كانت السياسة هي التي تقود الاقتصاد، وتحدد مساراته، وتفرض عليه أولوياتها، فتحولت المشاريع الاقتصادية إلى رهينة للتجاذبات الداخلية والاستقطابات الإقليمية، وتراجع الاستثمار، وتعطلت مشاريع البنية التحتية، وأصبحت الثروة النفطية تُستهلك في إدارة الأزمات أكثر مما تُستثمر في بناء الدولة.


أما اليوم، فتشير طبيعة التحركات الحكومية، سواء في الداخل أو في العلاقات الخارجية، إلى محاولة لبناء معادلة مختلفة، يكون فيها الاقتصاد هو المحرك الرئيس للقرار السياسي، وتصبح الدبلوماسية أداة لجذب الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز أمن الطاقة، وفتح الأسواق، وبناء الشراكات الاستراتيجية، بدلاً من أن تبقى محصورة في إدارة الملفات الأمنية والخلافات السياسية.


ومن هنا، يمكن قراءة زيارة واشنطن، وما رافقها من توقيع 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم وإعلان شراكة بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص العراقي ونظرائهم في الولايات المتحدة، ليس باعتبارها عقوداً متفرقة، بل بوصفها جزءاً من رؤية أشمل لإعادة صياغة الهوية الاقتصادية للدولة العراقية.

فقد شملت الاتفاقيات قطاعات النفط والكهرباء والطاقة والاتصالات والتكنولوجيا والتعليم والزراعة والصناعة والأدوية والتمويل وسلاسل التوريد، إلى جانب شراكات مع شركات أمريكية كبرى مثل ExxonMobil وGE Vernova وShell وHalliburton وKBR وUOP وKeysight Technologies وPepsiCo وFrito-Lay، فضلاً عن مشروع إدخال خدمات Starlink، وإحياء مشروع خطوط الأنابيب باتجاه ميناء بانياس، وتطوير مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي.


*أولاً: من التحالف الأمني إلى تحالف المصالح الاقتصادية*


على مدى العقدين الماضيين، ارتبطت العلاقة العراقية الأمريكية بالملفات العسكرية والأمنية ومحاربة الإرهاب، رغم ان هناك اتفاقية الإطار المشترك عام 2008 بزمن حكومة المالكي، والتي تعتبر امتداد حقيقي لهذه الاتفاقيات، لما تتضمنه من بنود تخص الاقتصاد والتعليم والتكنلوجيا والصناعة والزراعة. إلا أن مخرجات هذه الزيارة تشير إلى محاولة للانتقال نحو مرحلة جديدة، يكون الاستثمار فيها هو الركيزة الأساسية للعلاقة بين البلدين.

إن توقيع هذا العدد الكبير من الاتفاقيات في قطاعات متعددة لا يعكس مجرد تعاون اقتصادي، بل يعبر عن بناء شبكة مصالح استراتيجية طويلة الأمد، تجعل الاقتصاد عنصراً رئيساً في استقرار العلاقات الثنائية.


*ثانياً: الطاقة... المدخل الحقيقي لبناء الدولة*


احتل قطاع الطاقة مركز الثقل في الاتفاقيات، وفي مقدمتها اتفاقية GE Vernova  لتنفيذ الخطة الوطنية الشاملة للكهرباء، التي تقوم على ربط زيادة الإنتاج بتوفير الوقود، وتطوير شبكات النقل، وإنشاء محطات الدورة المركبة، وبناء مشروع استراتيجي في الفاو، والربط الكهربائي مع المملكة العربية السعودية، وتوفير التمويل اللازم لتنفيذ هذه المشاريع. رغم ان العراق لديه عقود وشراكات مع جنرال الكتريك، الا أن خطة العقد الجديدة يبدو شاملة.

كما عززت الاتفاقيات الموقعة مع ExxonMobil وShell وHalliburton وKBR  توجه الحكومة نحو تحديث قطاع الطاقة والنفط وربطه بالتكنولوجيا العالمية.

وهذا يعكس تحولاً في التفكير، فالكهرباء لم تعد مجرد خدمة، بل أصبحت قاعدة للتنمية الصناعية والاستثمارية، وأحد أعمدة الأمن الاقتصادي للدولة.


*ثالثاً: التكنلوجيا والاقتصاد الرقمي*


لم تقتصر الاتفاقيات على النفط والطاقة، بل امتدت إلى التكنولوجيا والاتصالات والتعليم والصناعة والزراعة. فالتعاون مع Keysight Technologies، وإدخال خدمات Starlink، والاتفاقيات مع PepsiCo  و Frito-Lay، والشركات المتخصصة في الزراعة والصناعة والأدوية والشبكات الإلكترونية، يعكس محاولة لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً، يعتمد على التكنولوجيا وسلاسل القيمة المضافة، وليس على تصدير النفط الخام وحده.


*رابعاً: إعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية للعراق*


من بين أبرز ما حملته الاتفاقيات، إعادة طرح مشروع مد خطوط الأنابيب النفطية باتجاه ميناء بانياس على البحر المتوسط، وهو مشروع ذو أبعاد استراتيجية تتجاوز تصدير النفط. فالعراق، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على منفذ بحري واحد، يحتاج إلى تنويع منافذ تصديره لتقليل المخاطر الجيوسياسية، وتعزيز أمنه الطاقوي، ورفع قدرته على المناورة في أسواق الطاقة العالمية.

كما أن تطوير الفاو وربطه بالبنية التحتية للطاقة والنقل يؤشر إلى رؤية أوسع لتحويل العراق إلى عقدة لوجستية تربط الخليج ببلاد الشام وتركيا والبحر المتوسط.


*خامساً: هل أعادت واشنطن تعريف دور العراق؟*


تأتي هذه الاتفاقيات في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب واسعة للتحالفات والممرات الاقتصادية والطاقة. ويبدو أن الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى العراق باعتباره ساحة لإدارة الأزمات، بل بوصفه دولة يمكن أن تؤدي دوراً محورياً في مشاريع الربط الإقليمي، وأمن الطاقة، والممرات التجارية، إذا تمكن من استعادة قدرته المؤسسية.

غير أن هذا التحول لا ينبغي تفسيره باعتباره تحولاً في المبادئ الأمريكية، بل في تقدير المصالح. فواشنطن تتحرك وفق حسابات استراتيجية، ترى أن استقرار العراق يخدم مصالحها أكثر من استمرار هشاشته.


*سادساً: التحدي الحقيقي... التنفيذ*


ورغم أهمية الاتفاقيات، فإن التجربة العراقية تدعو إلى قدر كبير من الواقعية. فالبلاد شهدت خلال العقدين الماضيين يملك سجلاً طويلاً من الاتفاقيات التي لم تغادر الورق، وعشرات العقود ومذكرات التفاهم التي لم تتحول إلى مشاريع مكتملة، بسبب البيروقراطية، وضعف الحوكمة، والفساد، وتعقيدات البيئة الاستثمارية. ولذلك، فإن معيار النجاح لن يكون عدد الاتفاقيات، بل قدرة الحكومة على تنفيذها ضمن جداول زمنية واضحة، وقدرتها على نقل التكنولوجيا، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز الإيرادات غير النفطية. وتأمين التمويل، وإزالة العقبات الإدارية، وضمان الشفافية والمساءلة.


*سابعاً: هل يقود الزيدي مشروع الدولة؟*


تضع هذه الزيارة رئيس الوزراء أمام اختبار تاريخي. فالتحولات الكبرى لا يصنعها توقيع الاتفاقيات وحده، وإنما وجود مشروع وطني قادر على استثمارها في بناء دولة قوية.

إذا نجحت الحكومة في تحويل هذه التفاهمات إلى مصانع تعمل، ومحطات كهرباء تنتج، وشبكات حديثة، ووظائف مستدامة، ونقل للتكنولوجيا، فإنها تكون قد انتقلت بالعراق من اقتصاد يعتمد على تصدير النفط الخام إلى اقتصاد أكثر إنتاجاً وتكاملاً. أما إذا بقيت الاتفاقيات أسيرة التجاذبات السياسية والروتين الإداري، فإنها ستتحول إلى فرصة أخرى تضاف إلى سجل الفرص الضائعة.

تعليق

أحدث أقدم

Disqus Shortname

sigma-2

ارسل لنا تعليق

[blogger][disqus][facebook]