
*د. فاضل علي ، باحث في شؤون الدراسات الإيرانية*
شهدت الأيام القليلة الماضية حراكاً دبلوماسياً عراقياً مكثفاً تصدّره رئيس الوزراء علي الزيدي، في محاولة طموحة لإعادة تمحور بغداد في قلب معادلة التهدئة الإقليمية. فالزيارة الأخيرة إلى واشنطن، والتي تُوّجت بلقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم تكن مجرد جولة بروتوكولية لبحث الشراكات الاقتصادية وتوسيع الفرص الاستثمارية فحسب، بل حملت في طياتها ملامح مبادرة عراقية جريئة لفتح قنوات الحوار بين واشنطن وطهران، وإخماد فتيل التصعيد العسكري الذي بات يهدد استقرار المنطقة وشريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز.
المفارقة السياسية تجلت بوضوح في تباين ردود الفعل؛ فبينما حظيت الرؤية العراقية بترحيب ودعم واضحين من الجانب الأمريكي بوصفها خطوة لاحتواء الأزمة ومنع اتساع دائرة المواجهة، جاءت الإشارات من طهران محملة بعتب ثقيل وهجوم علني. الانتقاد الحاد الذي وجهه مستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، واصفاً الزيارة بـ"المؤسفة" و"غير المناسبة في توقيتها" و"المهينة"، لم يكن مجرد موقف عابر، بل يعكس حجم التعقيد وحقل الألغام الدبلوماسي الذي تسير فوقه بغداد في محاولتها للتوفيق بين خصمين لدودين.
> إن سعي بغداد لاستضافة اجتماع يجمع مسؤولين من إيران والولايات المتحدة يمثل انتقالاً استراتيجياً من دور "ساحة الصراع التقليدية" إلى دور "منصة الحلول الدبلوماسية".
هذا التباين يضع الدبلوماسية العراقية أمام اختبار حقيقي وجدول أعمال مثقل بالتحديات:
- **حماية الأمن القومي:** تدرك بغداد أن أي مواجهة مباشرة بين حليفيها ستنعكس سلباً على استقرارها الداخلي، مما يجعل التهدئة ضرورة وجودية للعراق قبل أن تكون مطلباً إقليمياً.
- **تأمين مصالح الطاقة:** تأتي الجولة الإقليمية المرتقبة لرئيس الوزراء (والتي تشمل طهران، أنقرة، الرياض، ودمشق) في توقيت حساس تضررت فيه سلاسل إمداد الطاقة، مما يمنح بغداد ورقة اقتصادية قوية للتفاوض وتقريب وجهات النظر.
- **إثبات النضج السياسي:** يمثل المضي قدماً في هذه المبادرة، رغم الخطاب الحاد القادم من بعض الأوساط في طهران، اختباراً حقيقياً لقدرة الإدارة العراقية الحالية على إدارة الأزمات الإقليمية بشكل مستقل ومتوازن.
في نهاية المطاف، لا تبدو الوساطة العراقية اليوم ترفاً سياسياً، بل هي مناورة شجاعة في توقيت حرج. ونجاح مبادرة الزيدي في تهيئة الأرضية لحوار (مباشر أو غير مباشر) لن يحدد فقط شكل العلاقات العراقية مع محيطها، بل سيرسم ملامح الاستقرار في المنطقة بأسرها لسنوات قادمة.
إرسال تعليق