
ناجي الغزي/كاتب سياسي
غالباً ما يُنظر إلى أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران من زاوية الملف النووي أو خفض التوتر بين الطرفين، إلا أن أبعاده الحقيقية تتجاوز ذلك بكثير. فالتفاهم بين واشنطن وطهران يرتبط بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، كما يتقاطع مع الحسابات الدولية المتعلقة بالحرب في أوكرانيا والصراع الاستراتيجي مع روسيا والصين.
فالولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع إيران كملف منفصل، بل كجزء من معادلة جيوسياسية أوسع تشمل أمن الخليج وأسواق الطاقة وإعادة ترتيب النفوذ في المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن رفع العقوبات تدريجياً، وإنهاء الحصار الاقتصادي، وإعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي، وصولاً إلى الحديث عن تمويل إعادة تأهيل اقتصادها، تعكس تحولاً جوهرياً في المقاربة الأمريكية من سياسة الاحتواء والضغوط القصوى إلى سياسة التفاهم والاستيعاب.
كما يكشف الاتفاق عن تغير واضح في ميزان التفاوض بين الطرفين، إذ يصعب تفسير هذه المكاسب الاقتصادية والسياسية الكبيرة باعتبارها تنازلات يقدمها طرف خرج منتصراً من المواجهة. بل إنها تعكس إدراكاً أمريكياً متزايداً بأن إيران نجحت في الصمود وفرض نفسها لاعباً مؤثراً في معادلات الطاقة والأمن الإقليمي.
*الاتفاق كأداة لإعادة هندسة البيئة الإقليمية*
لا تبدو مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران مجرد اتفاق لخفض التوتر أو معالجة الملف النووي، بل مشروعاً لإعادة هندسة البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط. فالتعهد المتبادل باحترام السيادة وعدم التدخل، إلى جانب رفع العقوبات وإعادة دمج إيران اقتصادياً، يعكس انتقال العلاقة من منطق المواجهة إلى منطق إدارة المصالح والتوازنات.
فعلى مدى عقود سعت واشنطن إلى احتواء إيران ومحاصرتها، لكن البنود المتعلقة برفع الحصار وإنهاء العقوبات وتمويل إعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني بما يصل إلى 300 مليار دولار تكشف تحولاً استراتيجياً عميقاً. فالهدف لم يعد إضعاف إيران، بل استيعابها ضمن نظام إقليمي جديد أكثر استقراراً وقابلية للإدارة.
ومن هذا المنظور، لا تُستثمر مئات المليارات في دولة يُراد تحجيمها، بل في قوة يُراد دمجها كركيزة أساسية في التوازنات الإقليمية. لذلك يبدو الاتفاق خطوة نحو إعادة تنظيم مراكز النفوذ في الشرق الأوسط، مع منح إيران دوراً أكثر رسوخاً وتأثيراً، مقابل تمكين واشنطن من تقليص انخراطها المباشر في المنطقة والتفرغ لمنافساتها الكبرى مع روسيا والصين.
* الصمود يصنع التوازن*
إذا كانت مخرجات الحرب تنتهي إلى رفع العقوبات، والاعتراف المتبادل، وإعادة دمج إيران اقتصادياً وسياسياً، فإن السؤال المنطقي سيكون: لماذا وقعت الحرب أصلاً؟
الجواب الاستراتيجي المحتمل أن الهدف لم يكن إسقاط النظام الإيراني ولا تدمير الدولة الإيرانية، بل خلق ضغط عسكري وسياسي يدفع جميع الأطراف إلى قبول تسوية لم تكن ممكنة قبل اندلاع المواجهة.
ومن هذه الزاوية، تبدو النتيجة النهائية أقرب إلى تكريس واقع جديد فرضته موازين الصمود والقدرة على تحمل الضغوط أكثر مما فرضته القوة العسكرية وحدها. فإيران لم تُسقط سياسياً، ولم تُعزل إقليمياً، بل خرجت من المواجهة وهي تفاوض من موقع يضمن لها الحفاظ على دورها ونفوذها، بل والحصول على مكاسب اقتصادية واستراتيجية كبيرة.
لذلك يمكن النظر إلى الحرب بوصفها محطة كشفت حدود القدرة على فرض الإرادات بالقوة، وأعادت رسم حدود الممكن سياسياً للطرفين. فبدلاً من إنتاج معادلة غالب ومغلوب، دفعت المواجهة نحو الاعتراف بوقائع جديدة على الأرض، كان أبرزها أن إيران أصبحت قوة يصعب تجاوزها أو فرض تسوية عليها من خارج حساباتها ومصالحها.
*الملف النووي لم يعد القضية المركزية*
اللافت أن الوثيقة لا تتحدث عن تفكيك البرنامج النووي الإيراني أو تدميره، بل تؤكد فقط عدم إنتاج سلاح نووي مع تأجيل تفاصيل التخصيب والمواد النووية إلى الاتفاق النهائي.
وهذا يعني أن جوهر التفاوض انتقل من، هل يسمح لإيران ببرنامج نووي؟ إلى، كيف يتم تنظيم هذا البرنامج؟.
وهذا التحول يشكل فارق جوهري يعكس تراجع أولوية المواجهة النووية لصالح ترتيبات أمنية وسياسية أوسع.
*هرمز والطاقة العالمية*
استئناف الملاحة في مضيق هرمز ورفع القيود عن الصادرات النفطية الإيرانية لا يمثلان مكسباً إيرانياً فقط، بل يغيران توازنات سوق الطاقة الدولية.
فعودة ملايين البراميل الإيرانية إلى السوق تمنح واشنطن أداة إضافية للتأثير على أسعار النفط العالمية، وتوفر بديلاً جزئياً عن النفط الروسي في بعض الأسواق. ولهذا فإن الاتفاق لا يرتبط بالشرق الأوسط فقط، بل يمتد تأثيره إلى الحرب الأوكرانية والاقتصاد العالمي.
*الانسحاب الأمريكي وتحول موازين القوة*
إن التوجه نحو سحب القوات الأمريكية من المناطق المحيطة بإيران لا يعكس مجرد تغيير تكتيكي في الانتشار العسكري، بل يكشف عن مراجعة أعمق لجدوى الوجود الأمريكي الواسع في المنطقة. فخلال العقود الماضية استند هذا الوجود إلى فرضية القدرة على فرض التوازنات الإقليمية بالقوة العسكرية، إلا أن تنامي القدرات الإيرانية وتوسع نفوذها الإقليمي أظهرا حدود هذه المقاربة وارتفاع كلفتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن واشنطن باتت أكثر اقتناعاً بأن استمرار الانخراط العسكري المباشر لم يعد يحقق العوائد الاستراتيجية التي كان يوفرها سابقاً، وأن إدارة التوازنات عبر التفاهمات السياسية أقل كلفة وأكثر انسجاماً مع أولوياتها العالمية. فإيران لم تعد مجرد دولة تسعى الولايات المتحدة إلى احتوائها، بل أصبحت قوة إقليمية فرضت نفسها على معادلات الأمن والطاقة والنفوذ في الشرق الأوسط.
*البند الأخطر هو قرار مجلس الأمن*
لعل البند الأكثر أهمية في الاتفاق يتمثل في اعتماده بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي، لأن ذلك ينقل التسوية من مستوى التفاهم الثنائي بين واشنطن وطهران إلى مستوى الالتزام الدولي. فبمجرد إدراج الاتفاق ضمن قرارات مجلس الأمن، لن يعود مجرد تفاهم سياسي قابل للتغيير بتغير الإدارات أو الظروف السياسية، بل يصبح جزءاً من المنظومة القانونية الدولية التي تترتب عليها التزامات وحقوق معترف بها دولياً.
وتكمن أهمية هذا البند بالنسبة لإيران في أنه يوفر ضمانة سياسية وقانونية لم تكن متاحة في الاتفاق النووي السابق، الذي تمكنت إدارة أمريكية لاحقة من الانسحاب منه بصورة أحادية عام 2018. أما في الحالة الجديدة، فإن أي محاولة مستقبلية للتراجع عن الاتفاق لن تكون مجرد قرار أمريكي داخلي، بل ستصطدم بإطار دولي أوسع وبالتزامات أُقرت تحت مظلة الأمم المتحدة.
إرسال تعليق