
ناجي الغزي/كاتب سياسي واقتصادي
لم تعد قوة الاقتصادات في القرن الحادي والعشرين تُقاس فقط بحجم الناتج المحلي الإجمالي أو مستوى الاحتياطيات الأجنبية أو معدلات النمو السنوية، فهذه المؤشرات على أهميتها لم تعد وحدها كافية للحكم على متانة الاقتصاد وقدرته على الاستمرار. فالعالم المالي المعاصر بات يمنح وزناً أكبر لمؤشر غير ملموس لكنه شديد التأثير، وهو "الثقة". فالثقة هي رأس المال الحقيقي الذي يحدد قدرة الدول على جذب الاستثمارات، والحصول على التمويل، وبناء الشراكات الاقتصادية، وفتح القنوات المصرفية مع العالم، وضمان انسيابية حركة الأموال والتجارة عبر الحدود.
ومن هنا فإن القراءة العميقة للتطورات الاقتصادية الأخيرة في العراق يجب ألا تتوقف عند حدود متابعة القرارات أو التعيينات أو الإجراءات الرقابية بوصفها أحداثاً منفصلة، بل ينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة بناء الثقة المالية للدولة العراقية بعد سنوات طويلة من التحديات التي أضعفت صورة الاقتصاد العراقي أمام المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين.
*أولاً: لماذا عاد العراق إلى المنطقة الرمادية؟*
من الناحية القانونية والرقابية، لا يُنظر إلى إدراج أي دولة ضمن القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF) بوصفه عقوبة اقتصادية مباشرة، وإنما باعتباره إجراءً رقابياً يعكس وجود نواقص أو ثغرات في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والرقابة على التدفقات المالية. فالمعيار الذي تستند إليه المؤسسات الدولية لا يتعلق بحجم الثروات الوطنية أو الإيرادات المتحققة، بل بمدى كفاءة الأطر التشريعية والمؤسسية في تتبع مصادر الأموال، ورصد حركة التحويلات المالية، ومنع استغلال النظام المالي في الأنشطة غير المشروعة.
ومن هنا، يكتسب اعتماد خطة العمل المشتركة بين العراق ومجموعة العمل المالي أهمية خاصة، إذ يمثل مؤشراً على وجود إرادة إصلاحية معترف بها دولياً، ويعكس قناعة المؤسسات المختصة بأن العراق يمتلك مساراً قابلاً للتطوير والامتثال للمعايير الدولية المطلوبة. وبذلك فإن بقاء العراق ضمن القائمة الرمادية لا يعني إصدار حكم نهائي على كفاءة نظامه المالي، بقدر ما يعبر عن استمرار الحاجة إلى استكمال متطلبات الإصلاح المؤسسي والرقابي.
وتبرز هنا خصوصية الحالة العراقية، حيث يمتلك العراق مقومات اقتصادية كبيرة مدعومة بموارد نفطية ضخمة، إلا أن هذه القدرات الاقتصادية تتقاطع مع تحديات هيكلية تتمثل في اتساع حجم الاقتصاد غير المنظم، وانخفاض مستويات الشمول المالي، واستمرار الاعتماد الواسع على التعاملات النقدية خارج المنظومة المصرفية الرسمية. وهذه العوامل مجتمعة تفرض تحديات إضافية أمام جهود الرقابة والتتبع المالي وتزيد من متطلبات الامتثال للمعايير الدولية.
وعليه، فإن وجود العراق ضمن المنطقة الرمادية ينبغي أن يُفهم بوصفه مرحلة انتقالية في مسار الإصلاح المالي والمؤسسي، وليس مؤشراً على ضعف الاقتصاد أو عجزه.
*ثانياً: الفساد لم يعد قضية أخلاقية بل أصبح خطراً اقتصادياً*
كشفت قضايا الفساد الأخيرة عن ضبط عشرات المليارات من الدنانير وملايين الدولارات وعقارات وأصول ضخمة بحوزة مسؤولين وموظفين. وفي القراءة التقليدية يُنظر إلى هذه القضايا باعتبارها ملفات جنائية فقط، لكن القراءة الاقتصادية تشير إلى أمر أكثر خطورة.
فالفساد لا يسرق المال العام فحسب، بل يخلق اقتصاداً موازياً خارج سيطرة الدولة، ويشوه المنافسة، ويطرد المستثمرين، ويقوض ثقة المؤسسات الدولية بالنظام المالي.
ولهذا فإن نجاح الدولة في ملاحقة الأموال غير المشروعة واستردادها لا يمثل انتصاراً قانونياً فقط، بل يعد مؤشراً اقتصادياً إيجابياً أمام المؤسسات المالية العالمية التي تراقب مدى جدية العراق في تجفيف منابع الاقتصاد الخفي.
*ثالثاً: معركة العراق الحقيقية هي إصلاح النظام المصرفي*
لا يمكن الخروج من المنطقة الرمادية دون إصلاح جذري للقطاع المصرفي. فالاقتصاد الحديث لا يُدار بالنقد الورقي ولا بالتحويلات غير الرسمية، وإنما عبر منظومة مصرفية قادرة على التحقق من مصادر الأموال ومتابعة حركتها.
وخلال السنوات الماضية بقي القطاع المصرفي العراقي الحلقة الأضعف في عملية الإصلاح الاقتصادي، إذ تأخرت مشاريع إعادة الهيكلة، وضعفت مستويات الامتثال، وبقيت المصارف الحكومية تعاني من مشكلات هيكلية متراكمة.
ولهذا فإن نجاح العراق في تنفيذ خطة العمل الدولية يرتبط مباشرة بقدرته على بناء قطاع مصرفي حديث قادر على الاندماج الكامل بالنظام المالي العالمي.
*رابعاً: من موازنة الإنفاق إلى موازنة النتائج*
يُعد التوجه نحو اعتماد "موازنة الإدارة والبرامج" من أهم التحولات التي تشهدها الإدارة المالية العامة في العراق، لأنه لا يمثل مجرد تغيير في أساليب إعداد الموازنة، بل يعكس تحولاً جوهرياً في فلسفة إدارة المال العام. فبدلاً من التركيز على حجم المبالغ التي تنفقها المؤسسات الحكومية، يصبح التركيز منصباً على النتائج والعوائد المتحققة من هذا الإنفاق ومدى انعكاسها على التنمية والخدمات العامة.
وبموجب هذا النهج الجديد، لن تكون كفاءة المؤسسة الحكومية مرتبطة بحجم تخصيصاتها المالية أو نسبة إنفاقها السنوي، بل بقدرتها على تحقيق الأهداف المرسومة وتحويل الموارد المالية إلى مشاريع وخدمات ونتائج قابلة للقياس والتقييم.
ويمثل هذا التحول خطوة مهمة نحو ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة وتعزيز الشفافية والمساءلة، إذ يوفر أدوات أكثر دقة لمتابعة الأداء الحكومي وكشف مواطن الهدر وضعف الكفاءة، الأمر الذي يجعله أحد أبرز المسارات القادرة على الحد من الفساد وتحسين إدارة الموارد العامة ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي خلال السنوات المقبلة.
*خامساً: التزام سياسي أم مشروع وطني؟*
تكمن أهمية عبارة "التزام سياسي رفيع المستوى" على أنها تعكس قناعة دولية بأن ملف مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لم يعد شأناً فنياً يقتصر على البنك المركزي أو المؤسسات المالية، بل أصبح مشروعاً وطنياً تتشارك في تنفيذه جميع مؤسسات الدولة. فالمعايير الدولية لا تقيس أداء جهة واحدة بقدر ما تقيس قدرة الدولة بأكملها على العمل ضمن منظومة متكاملة تجمع بين التشريع والتنفيذ والرقابة والقضاء.
ولهذا فإن نجاح العراق في تنفيذ خطة الإصلاح المالي يتطلب بيئة تشريعية داعمة يضطلع بها مجلس النواب، وإجراءات تنفيذية فعالة تقودها الحكومة، ومنظومة قضائية قادرة على فرض سيادة القانون وملاحقة الجرائم المالية، فضلاً عن تطوير مستمر لقدرات الأجهزة الرقابية والأمنية والمالية وتعزيز التنسيق فيما بينها.
وبناءً على ذلك، فإن مغادرة المنطقة الرمادية لن تمثل نجاحاً للبنك المركزي أو لأي مؤسسة بعينها، بل ستكون دليلاً على قدرة الدولة العراقية على توحيد جهودها وتفعيل مؤسساتها ضمن مشروع وطني متكامل لاستعادة الثقة بالاقتصاد والنظام المالي العراقي.
*سادساً: هل يقترب العراق من منطقة الأمان المالي؟*
الإجابة الواقعية هي نعم... ولكن بشروط.
فالعراق اليوم لا يقف عند نقطة الانهيار كما يروج البعض، ولا يقف أيضاً عند نقطة الأمان الكامل. ما يجري هو انتقال تدريجي من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء المؤسسات. إن اعتماد خطة العمل الدولية، وتصاعد حملات مكافحة الفساد، وإعادة هيكلة المصارف، وتطوير أدوات الرقابة، كلها مؤشرات تدل على أن الدولة بدأت تتحرك في الاتجاه الصحيح. لكن النجاح الحقيقي لن يقاس بالإعلانات والبيانات، بل بقدرة العراق خلال العامين المقبلين على تنفيذ التزاماته وتحويل الإصلاحات من قرارات إلى واقع مؤسسي دائم.
إرسال تعليق