
ناجي الغزي/كاتب سياسي
يبدو للوهلة الأولى أن مشروع قانون تأسيس هيئة الرقابة الداخلية الاتحادية ليس أكثر من إضافة مؤسسة رقابية جديدة إلى المؤسسات القائمة، في ظل وجود هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية ولجان النزاهة البرلمانية والسلطة القضائية. لكن القراءة المتأنية للمشروع تكشف أن الفلسفة التي يقوم عليها المشروع تختلف جذرياً عن فلسفة المؤسسات الرقابية الحالية.
فالفرق بينهما يشبه الفرق بين الطبيب الذي يمنع المرض قبل وقوعه، والطبيب الذي يبدأ العلاج بعد استفحال المرض. وهنا تكمن أهمية المشروع.
*التحول من الرقابة اللاحقة إلى الرقابة الوقائية*
منذ عام 2003 اعتمد النظام الرقابي العراقي بصورة شبه كاملة على الرقابة اللاحقة، أي التحقيق بعد وقوع الجريمة، والتدقيق بعد صرف الأموال، وإحالة الملفات إلى القضاء بعد اكتمال الضرر.
وبالرغم من أهمية هذا الدور، إلا أن التجربة العراقية أثبتت أن استرداد الأموال المنهوبة أصعب بكثير من منع نهبها ابتداءً.
لذلك فإن إنشاء هيئة تمارس الرقابة السابقة على العقود والإنفاق والإجراءات الإدارية يمثل تحولاً في فلسفة إدارة المال العام، إذ تصبح الرقابة جزءاً من صناعة القرار، لا مجرد جهة تنتظر وقوع المخالفة. وبعبارة أخرى: الهدف لم يعد القبض على الفاسد فقط، بل منع ولادة الفساد أصلاً.
*الحلقة المفقودة في منظومة مكافحة الفساد*
تضم الدولة العراقية اليوم منظومة رقابية واسعة ومتعددة منها: هيئة النزاهة، وديوان الرقابة المالية، والقضاء، ومجلس النواب، والإعلام والرأي العام. لكن جميع هذه الجهات تتحرك غالباً بعد وقوع المخالفة.
أما الرقابة أثناء: إعداد العقود، وضع الكشوفات، وتحديد الكلف، واختيار الشركات، وصياغة الشروط، وإجراءات الإحالة... فلا توجد هناك جهة تمتلك صلاحيات رقابية مباشرة توقف الانحراف قبل تحوله إلى جريمة. وهذا هو الفراغ الذي يحاول المشروع ملأه.
*عودة غير معلنة لفكرة المفتشين العموميين*
من الناحية العملية، يعيد المشروع إحياء الفلسفة التي كانت تقوم عليها مكاتب المفتشين العموميين، ولكن بصيغة جديدة. لقد ألغيت تلك المكاتب بحجة أنها: تعطل المشاريع، وتزيد البيروقراطية، وتؤخر تنفيذ العقود. لكن الإلغاء أدى عملياً إلى إزالة الرقابة السابقة دون أن يُوجد بديل حقيقي، فأصبحت الدولة تعتمد بالكامل تقريباً على الرقابة اللاحقة. واليوم يحاول المشروع المقترح إعادة هذا الدور، ولكن عبر هيئة اتحادية موحدة بدلاً من مكاتب متفرقة داخل الوزارات.
*هل يواجه المشروع مقاومة سياسية؟*
هنا تبدأ القراءة السياسية. فالهيئة المقترحة لا تراقب الموظف الصغير فقط، بل ستكون حاضرة عند: العقود الكبرى، والإحالات، وتخصيص الأموال، وتنفيذ المشاريع، والصرف المالي. أي أنها ستقترب من المناطق التي تشكل تاريخياً أحد أهم مصادر النفوذ السياسي والاقتصادي داخل الدولة، وضرب (اقتصاديات الأحزاب). ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يحتاج العراق إلى هذه الهيئة؟ بل، هل تستطيع القوى السياسية القبول برقابة مسبقة تحد من قدرتها على التأثير في القرار التنفيذي؟ فنجاح الهيئة يعني تقليص مساحة التدخل السياسي في الإدارة المالية للدولة.
*معركة الإرادات*
إذا وصل المشروع إلى مجلس النواب فستكون المعركة الحقيقية هناك. فمن السهل أن تعلن جميع القوى السياسية تأييد مكافحة الفساد إعلامياً. لكن الاختبار الحقيقي سيكون عند التصويت على قانون يمنح جهة مستقلة صلاحية مراجعة الإجراءات قبل تنفيذها. فإذا جرى تعطيل المشروع أو تفريغه من مضمونه أو تقليص صلاحياته، فإن الرسالة ستكون واضحة: أن المشكلة ليست في القوانين، وإنما في الإرادة السياسية.
*ماذا يحتاج المشروع كي ينجح؟*
حتى لا تتحول الهيئة إلى مؤسسة بيروقراطية جديدة، فإن نجاحها يتطلب خمسة شروط أساسية:
1. استقلالاً كاملاً عن نفوذ الوزراء والأحزاب.
2. حماية قانونية للعاملين فيها.
3. رقمنة إجراءات الرقابة وربطها إلكترونياً بالعقود والإنفاق.
4. التنسيق مع هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والقضاء دون تداخل في الاختصاص.
5. وجود معايير واضحة تمنع تعطيل المشاريع بحجة الرقابة.
فالرقابة الناجحة هي التي تمنع الفساد دون أن تمنع التنمية.
وإذا أُقر القانون بصيغته التي تحقق استقلال الهيئة وصلاحياتها، فقد يشكل بداية انتقال العراق من مرحلة "إدارة ملفات الفساد" إلى مرحلة "إدارة مخاطر الفساد".
إن الدول الحديثة لا تُقاس بعدد الفاسدين الذين يُلقى القبض عليهم، بل بعدد جرائم الفساد التي لم تقع أصلاً. ولهذا فإن مشروع هيئة الرقابة الداخلية الاتحادية قد يكون أحد أهم مفاصل الإصلاح الإداري في العراق، لأنه ينقل الدولة من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية، ومن ملاحقة الجريمة بعد اكتمالها إلى منع تشكلها منذ اللحظة الأولى.
غير أن نجاح المشروع لن يتوقف على نصوص القانون وحدها، بل على مدى استعداد النظام السياسي للتخلي عن جزء من نفوذه لصالح دولة المؤسسات. فإذا أُجيز القانون مع الحفاظ على استقلاليته، فسيكون خطوة إصلاحية مفصلية، أما إذا جرى إفراغه من صلاحياته أو تعطيله، فسيبقى الفساد يلاحَق بعد وقوعه، كما حدث طوال العقدين الماضيين.
إرسال تعليق