
المهندس امين عواد
يقول المثل الشعبي: “إذا الكَرَبَ أعوج، صَوَّج الثورُ الكبير”، وهو مثل عراقي قديم يُضرب عندما يكون الخلل في الأصل، فلا يمكن انتظار نتائج مستقيمة من مسارٍ أُسِّس على الاعوجاج.
وفي واقعنا السياسي، يبدو أن هذا المثل ينطبق على الكثير من الحالات التي شهدناها خلال السنوات الماضية. فكيف يمكن بناء دولة قوية ومؤسسات رصينة إذا كانت معايير اختيار القيادات والمسؤولين قائمة على الولاءات الحزبية والمحسوبية بدلاً من الكفاءة والخبرة والنزاهة؟
لقد تحولت بعض الأحزاب إلى ما يشبه “صانع الدمى”، فهي تصنع شخصيات سياسية وإدارية من العدم، وتدفع بها إلى مواقع المسؤولية رغم افتقارها إلى المؤهلات اللازمة. ثم تُقدَّم هذه الشخصيات على أنها رموز للنجاح والإصلاح، بينما الواقع يكشف عكس ذلك تماماً. وعندما تتعثر هذه التجارب أو تتورط في ملفات فساد أو سوء إدارة، تبدأ عملية البحث عن كبش فداء، في حين يبقى صانعوا القرار الحقيقيون بعيدين عن المساءلة.
المؤلم في الأمر أن أصحاب الكفاءات والخبرات غالباً ما يكونون أول الضحايا. فبدلاً من الاستفادة من خبراتهم في بناء الدولة، يتم تهميشهم وإبعادهم لأنهم لا ينتمون إلى دائرة النفوذ الحزبي أو لأنهم يرفضون الخضوع لمعادلات المصالح الضيقة. وهكذا تخسر الدولة عقولاً قادرة على الإنجاز، وتُمنح الفرص لمن لا يمتلكون سوى الدعم السياسي.
إن استمرار هذه الدوامة جعل المواطن يتساءل: متى تنتهي مرحلة النفوذ الحزبي التي تقدم الولاء على الكفاءة؟ ومتى يصبح المنصب حقاً لمن يستحقه لا لمن يمتلك النفوذ؟ فالدول لا تُبنى بالشعارات، ولا بالرموز المصطنعة، بل تُبنى برجال ونساء يمتلكون المعرفة والخبرة والإرادة الصادقة لخدمة الوطن.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تكون الكفاءة هي المعيار الأول والأخير، وعندما يخضع الجميع للمحاسبة دون استثناء حتى وان كان زعيم كتله . أما إذا ظل الاعوجاج في أصل المسار، فلا غرابة أن يستمر انحراف الخطوط في مساراتها ، لأن المشكلة ليست في النتائج فحسب، بل في الطريقة التي صُنعت بها منذ البداية.
ولهذا يبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: هل سنبقى ندور في الحلقة نفسها، أم أن الوقت قد حان لكسر معادلة المحاصصة والولاءات، وفتح الطريق أمام الكفاءات الوطنية القادرة على بناء دولة المؤسسات والقانون؟
إرسال تعليق