
ناجي الغزي/كاتب سياسي
ما جرى في عملية تكليف علي الزيدي وتشكيل حكومته الجديدة لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تسوية داخلية بين قوى الإطار التنسيقي، بل يمثل انعكاساً مباشراً لتحولات أعمق تضرب بنية النظام السياسي العراقي، وتكشف حجم الضغوط الإقليمية والدولية التي باتت تتحكم بمسار تشكيل السلطة في بغداد.
اللافت في هذه الحكومة ليس فقط الأسماء التي حضرت، بل تلك التي غابت عمداً عن مشهد منح الثقة. فإقصاء الشخصيات المرتبطة بالفصائل المسلحة عن الكابينة الوزارية لم يكن قراراً عراقياً خالصاً، بقدر ما جاء استجابة واضحة لشروط أمريكية وضعتها إدارة دونالد ترامب كجزء من إعادة هندسة التوازنات داخل العراق. ولهذا يمكن القول إن الإطار التنسيقي وجد نفسه هذه المرة داخل (إطار أمريكي صارم) لم يترك له مساحة المناورة التي اعتادها خلال السنوات الماضية بين واشنطن وطهران.
ما يعني ان الحكومة الجديدة تشكلت وسط إدراك أمريكي بأن مرحلة "التعايش الرمادي" مع الفصائل المسلحة قد انتهت، وأن واشنطن تسعى إلى نقل العراق من صيغة الدولة المزدوجة، التي تتقاسم فيها السلطة الرسمية والنفوذ المسلح القرار السياسي، إلى صيغة أكثر انضباطاً ضمن المنظومة الغربية والإقليمية الجديدة التي يجري رسمها في المنطقة بعد التحولات الكبرى في الشرق الأوسط.
هل يمكن تفسير بقاء تسع وزارات شاغرة حتى الآن، وفي مقدمتها الوزارات ذات الطابع الأمني والسيادي، على أنه مجرد نتيجة لخلافات الكتل السياسية بشأن تقاسم الحصص؟ أم أن حساسية هذه المواقع بالنسبة للولايات المتحدة مازالت تلعب دوراً مؤثراً في عملية الحسم، خصوصاً في وزارات مثل الداخلية والدفاع والأجهزة المرتبطة بالمخابرات والأمن الوطني، فضلاً عن استحداث وزارة للأمن الاتحادي تضم الحشد الشعبي وباقي صنوف القوات الأمنية، وكذلك وزارة التخطيط التي تمثل العقل التنفيذي للمشاريع الاقتصادية والاستراتيجية للدولة؟
ورغم وجاهة هذا الطرح، إلا أن ما جرى داخل البرلمان يوحي أيضاً بوجود صراع داخلي أكثر تعقيداً، يتعلق بمحاولة إعادة رسم موازين القوى داخل الإطار التنسيقي نفسه، عبر إضعاف بعض الأجنحة السياسية وإبعادها عن مراكز القرار، وهو ما يجعل تعطيل حسم الوزارات المتبقية أقرب إلى جزء من معركة النفوذ الداخلي، أكثر من كونه استجابة مباشرة لضغوط خارجية فقط.
وهناك ثمة حديث متصاعد داخل الأوساط السياسية عن وجود تفاهمات غير معلنة مع بعض الفصائل المسلحة، تقوم على مبدأ "التحول السياسي مقابل التخلي عن السلاح"، أي إعادة إنتاج بعض الفصائل كقوى سياسية مندمجة بالكامل داخل الدولة، مقابل إنهاء دورها العسكري. وهذه الصيغة، إن صحّت، تعني أن واشنطن لا تستهدف إنهاء نفوذ تلك القوى دفعة واحدة، بل تسعى إلى تفكيك البنية المسلحة وتحويلها إلى كيانات سياسية قابلة للاحتواء ضمن النظام الرسمي.
لكن المشكلة الجوهرية تكمن في أن الفصائل المسلحة ليست مجرد تشكيلات أمنية يمكن حلّها بقرار سياسي، بل تمثل امتداداً عقائدياً وتنظيمياً ومالياً لقوى نافذة داخل الإطار التنسيقي نفسه. ولذلك فإن أي محاولة لنزع سلاحها تعني عملياً الدخول في صدام مع العمق الحقيقي للقوة الشيعية الحاكمة في العراق، وهو ما يجعل حكومة الزيدي تقف منذ يومها الأول فوق حقل ألغام سياسي وأمني شديد التعقيد.
أما الأزمة الأخرى التي تواجه حكومة الزيدي أنها وُلدت من دون غطاء سياسي متماسك. فالرجل لا يمتلك كتلة برلمانية تحميه، ولا تاريخاً سياسياً يتيح له فرض توازنات داخل الإطار التنسيقي أو خارجه، الأمر الذي يجعله عرضة للتحول إلى رئيس وزراء "إداري" أكثر منه قائداً سياسياً يمتلك قراراً مستقلاً. وهذه النقطة تحديداً تمثل جوهر الصراع الأمريكي الإيراني حوله، فواشنطن تريد رئيس حكومة غير خاضع بالكامل للإطار التنسيقي، بينما ترى طهران أن أي خروج للزيدي عن مظلة الإطار يعني خسارة تدريجية لنفوذها داخل بغداد.
وفي المقابل، فإن الإطار التنسيقي نفسه يبدو اليوم أمام تحديات داخلية معقدة واختبارات سياسية حساسة، خصوصاً بعد أن كشف الصراع على الوزارات والمناصب حجم التباينات في الرؤى والمصالح بين بعض مكوناته. ورغم أن الإطار مازال يحافظ على تماسكه بوصفه المظلة السياسية الأهم داخل البيت الشيعي، إلا أن طبيعة الخلافات الأخيرة أظهرت وجود تنافس واضح على إدارة المرحلة المقبلة وتحديد مراكز النفوذ داخل الدولة.
أما الرهان على أن حكومة الزيدي مجرد مرحلة مؤقتة مرتبطة بوجود ترامب في البيت الأبيض، فهو تبسيط مفرط لطبيعة التحولات التي يشهدها العراق والمنطقة. فالحكومة الحالية لم تولد باعتبارها "حكومة عبور" أو مشروعاً أمريكياً عابراً مرتبطاً بإدارة سياسية محددة، بل جاءت نتيجة توازنات عراقية داخلية فرضتها تعقيدات المشهد السياسي، وإن كانت قد حظيت في الوقت نفسه بقبول ومباركة أمريكية واضحة.
الواقع أن المعادلات التي تحكم العراق اليوم تجاوزت فكرة ارتباطها بالأشخاص أو بتبدل الإدارات الأمريكية، لأن واشنطن نفسها تتعامل مع العراق باعتباره جزءاً من رؤية استراتيجية طويلة الأمد تتعلق بأمن الطاقة، والممرات الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي، وإدارة النفوذ الإيراني، وهي ملفات لا تتغير جذرياً بتغير ساكن البيت الأبيض.
كما أن تصوير الحكومة وكأنها أداة أمريكية خالصة يتجاهل حقيقة أن القوى العراقية نفسها هي التي دفعت باتجاه هذا الخيار بعد انسداد المسارات التقليدية للصراع داخل الإطار التنسيقي، ووصول كثير من الأطراف إلى قناعة بأن استمرار النهج السابق لم يعد قادراً على إدارة التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تواجه الدولة.
وفي المقابل، فإن إيران، رغم تراجع مساحة نفوذها المباشر داخل بعض مفاصل القرار، مازالت تمتلك حضوراً عميقاً داخل البنية السياسية والاجتماعية العراقية، الأمر الذي يجعل أي حكومة في بغداد مضطرة إلى مراعاة هذا التوازن المعقد، بعيداً عن منطق القطيعة الكاملة أو الارتهان الكامل لأي محور خارجي.
لهذا تبدو حكومة الزيدي هي أقرب إلى محاولة لإعادة تنظيم التوازنات داخل الدولة العراقية، لا حكومة مواجهة مع هذا الطرف أو ذاك، ولا مشروعاً مؤقتاً مرتبطاً بعمر إدارة أمريكية بعينها، بل تعبيراً عن مرحلة سياسية جديدة تحاول فيها بغداد إعادة تعريف موقعها وسط التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
إرسال تعليق