
منتصر_الحسناوي
اتصفح مواقع التواصل، كجزءٍ من متابعة الأخبار أو الإدمان غير المحسوس ، فلفتَ انتباهي ذلك النوع من الاستهزاء أو الانتقاص الذي يرافق إزالة صور رئيس الجمهورية السابق أو رئيس الوزراء السابق واستبدالها بصور المسؤول الحالي.
العراقيون تحديداً يحملون ذاكرة ثقيلة مع الصور الرسمية، فعلى مدى عقودٍ طويلة كانت الصورة جزءاً من منظومة سياسية مغلقة تُفرض فيها صورة الحاكم على الجدار كما تُفرض هيبته على الناس، لذلك ارتبطت الصورة في الوعي الجمعي بالخوف أكثر من ارتباطها بالدولة وبالإجبار أكثر من ارتباطها بالرمزية.
أما اليوم، الأمرُ مختلف، فالصورة الحالية تُعلّق ضمن سياقٍ سياسيٍ يتغير فيه المسؤولون والحكومات بصورة طبيعية، وتُزال صورهم أيضاً بصورة طبيعية عند انتقال السلطة.
لا احد يجبرك على وجودها أصلاً أو إزالتها ، لا أحد يشعر بالخوف من ذلك، ولا أحد يعتقد أن الدولة ستنهار عند استبدالها، وهذا بحدِّ ذاته فارق عميق بين مرحلتين مختلفتين تماماً.
جميع دول العالم الديمقراطية تُعلّق صور رؤساء الدول أو الحكومات داخل المؤسسات الرسمية بوصفها جزءاً من البروتوكول الإداري، كما تُستبدل تلك الصور مع تغيّر المسؤولين دون حساسية أو صخب.
لذلك فإن التعامل مع هذا المشهد في العراق بعدِّهِ “إسقاطاً” للحكومة السابقة أو “إهانة” لها يبدو أحياناً أقرب إلى سوء فهم الموضوع لأن من تُرفع صورته ستزال أيضاً كجزءٍ طبيعيٍ من إدارة الدولة الحديثة.
الحكومات في النهاية ليست صوراً معلقة على الجدران، وإنما تجارب سياسية وإدارية تُقاس بما قدمته من نجاحات أو ما واجهته من إخفاقات. ومن الطبيعي أن يختلف الناس في تقييم أي حكومة، لكنَّ من غير المنصف أن يتحول كلُّ إجراءٍ بروتوكولي إلى مادة للسخرية أو وسيلة لتصفية الخصومات السياسية. الفرق الحقيقي بين الماضي والحاضر يكمن في المعنى ، ففي السابق كانت الصورة توحي بأنّ السلطة ثابتة لا تتغير، أما اليوم فإن تغيّر الصور بهدوء يعكس فكرة مختلفة تماماً؛ فكرة أن المسؤول يذهب ويأتي غيره بينما تبقى الدولة مستمرة كجزءٍ من الديمقراطية التي كنا نبحث عنها وننادي بها.
وربما هذه هي المفارقة الأهم التي لا ينتبه إليها كثيرون.
إرسال تعليق