عاجل
جاري تحميل الأخبار...

​جيلٌ من ذهب… كتب المجد تحت ظلال الحصار


 بزغ جيلٌ عراقي استثنائي، جيلٌ لم يعرف المستحيل، فشقّ طريقه نحو مونديال كأس العالم 1986 بإرادةٍ من حديد، وعزيمةٍ لا تلين. لم يكن ذلك التأهل مجرد إنجازٍ رياضي، بل كان انتصارًا للروح، ورسالةً بأن الإبداع يولد أحيانًا من رحم المعاناة.

 في قلب هذه الحكاية، يبرز اسم شاكر محمود، لاعبٌ جمع بين الموهبة الفطرية والوعي الخططي والنضج النفسي والتربوي، حتى بدا وكأنه مشروع نجمٍ متكامل. بدأت رحلته من ملاعب المدارس، حيث صقل موهبته بين صفوف المنتخبات المدرسية إلى جانب أسماءٍ لامعة، يتقدمهم كريم صدام والراحل ناطق هاشم، قبل أن يشق طريقه نحو نادي الصناعة، المدرسة التي احتضنته ومنحته مفاتيح النضج الكرويتحت إشراف نخبة من المدربين الكبار، أمثال عادل جرجيس ومحمد الشيخلي وموفق المولى والخبير ثامر محسن، تعلّم شاكر محمود أصول اللعبة، لا كمهاراتٍ فنية فحسب، بل كمنظومة قيمٍ وسلوك، حيث كان الفريق عائلةً واحدة تجمعها المحبة والصدق والانضباطموهبته لم تمر مرور الكرام، فكان الاستدعاء المنتظر من مكتشف النجوم عمو بابا لتمثيل المنتخب الوطني. ومنذ تلك اللحظة، بدأ فصلٌ جديد في مسيرته، عنوانه التألق والتحديفي بطولة الخليج السادسة، قدّم المنتخب العراقي كرةً جميلة، ووصل إلى النهائي، قبل أن تُحسم الأمور خارج الملعب بقرارٍ أنهى الحلم. لكن شاكر محمود لم يتوقف، فواصل حضوره اللافت، وكان أحد أبطال منتخب الشباب الذي توّج ببطولة فلسطين عام 1983، حين صنع هدفًا لا يُنسى لزميله أحمد راضي، في لقطةٍ جسدت عبقريته الكرويةرحلته لم تخلُ من الألم؛ فقد كان هدفًا دائمًا لخشونة المنافسين، وتعرض لإصابةٍ أبعدته، لكنه عاد أكثر صلابة، ليكتب مع رفاقه أعظم فصول المجد. وفي التصفيات المؤهلة للمونديال، كان له دورٌ حاسم، خصوصًا في المواجهة المصيرية أمام سوريا، حين أطلق تسديدةً زرعت الأمل، قبل أن يُكمل حسين سعيد وخليل علاوي ثلاثية العبور نحو الحلم العالمي.

ذلك التأهل لم يكن عاديًا؛ فقد تحقق والعراق يعيش صعبه وقاسية وإدارية أجبرت المنتخب على خوض جميع مبارياته خارج أرضه. أضف إلى ذلك غياب الاستقرار الفني، وتعدد المدربين، حتى جاء المدرب البرازيلي إيفاريستو دي ماسيدو، الذي لم ينجح في ملامسة احتياجات الفريق، فزاد المشهد تعقيدًا.

ورغم المعسكرات المكثفة في ألمانيا والبرازيل، والمباريات الودية القوية، إلا أن الإصابات ضربت أعمدة الفريق في التوقيت الأصعب، فغاب عدنان درجال، وتعرض رعد حمودي وحسين سعيد للإصابة، ليفقد المنتخب توازنه.

ومع ذلك، ظل شاكر محمود وفيًا لأسلوبه، مقاتلًا داخل الملعب، حتى نال إشادة مدربين عالميين، أبرزهم سيزار لويس مينوتي، الذي اعتبره من أفضل لاعبي المباراة، في شهادةٍ تعكس قيمته الحقيقية.

أما اللحظة الأكثر بلاغة، فجاءت بعد مواجهة المكسيك، حين قال شاكر محمود كلمته الشهيرة للمدرب:

ابحث عن لعبةٍ أخرى… فلو كان دييغو مارادونا في العراق، لما وجد له مكانًا!”

عبارةٌ تختصر وجع جيلٍ كامل، وتكشف حجم التخبط الذي رافق تلك المرحلة.

رسالة للمستقبل

إن قصة هذا الجيل ليست مجرد ذكرى، بل خارطة طريق. كرة القدم لا تُبنى بالمجاملات، بل بالعلم، والاستقرار، والاعتماد على الكفاءات. ما تحقق في كأس العالم 1986 يجب أن يكون نقطة انطلاق، لا محطة حنين.

اليوم، ومع اقتراب حلم كأس العالم 2026، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للمدارس الكروية، والاهتمام بالمراحل السنية، واستثمار الطاقات الوطنية، بعيدًا عن المحسوبية. فنجوم الأمس خرجوا من بيئاتٍ صحيحة، ومدربين مخلصين، ومنظومةٍ تؤمن بالمستقبل. 

هكذا فقط، يمكن أن يعود المجد

وهكذا فقط، يمكن أن نرى جيلًا جديدًا، يكتب فصلاً آخر من الحكاية العراقية الخالدة

 


تعليق

أحدث أقدم