عاجل
جاري تحميل الأخبار...

​حين تكون المروءة علاجًا ,,,


قراءة إنسانية في واقع الخدمة الصحية بين "كرسي الدكتور جاد" المجاني  ومستشفى المسيب العام . 

الدكتور / محمد المعموري

في زمن تتسارع فيه وتيرة الخدمات وتتشعب فيه مسارات الحياة، لم يعد معيار النجاح يُقاس فقط بما يُقدَّم من إمكانيات مادية أو تقنيات حديثة، بل أصبح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجوهر أعمق، يتمثل في الإنسان ذاته؛ في أخلاقه، وفي إحساسه بالمسؤولية، وفي قدرته على تحويل العمل من واجب روتيني إلى رسالة إنسانية حقيقية.

ولعل من أبرز مظاهر هذا الجوهر ما يمكن أن نطلق عليه "المروءة"، تلك القيمة التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يرى في الآخر نفسه، فيتعامل معه بعطف واهتمام، خاصة عندما يكون هذا الآخر في حالة ضعف أو حاجة. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تتبنى أنظمة الجودة الحديثة مبدأً أساسيًا مفاده أن إرضاء المستفيد هو حجر الأساس في نجاح أي خدمة، لأن الخدمة مهما بلغت من الإتقان، تفقد قيمتها إن لم تصل إلى متلقيها بروح إنسانية تحفظ كرامته وتراعي ظروفه.

إننا، في كثير من الأحيان، نبذل جهودًا كبيرة في تقديم الخدمات للمواطن، وقد نُسخّر لها إمكانيات مادية وبشرية لا يُستهان بها، إلا أن هذه الجهود قد تتلاشى قيمتها بسبب خلل بسيط في أسلوب التعامل، أو ضعف في الإحساس بالمسؤولية، أو غياب المتابعة والتقييم. فتظهر الخدمة للمواطن ناقصة، أو غير مرضية، أو حتى غير مرئية، رغم ما بُذل فيها من جهد.

ويزداد هذا الأمر وضوحًا حين يكون المتلقي مريضًا، إذ يعيش تفاصيل معاناته بكل دقة، ويرى ما قد لا يراه غيره، ويحتاج إلى ما هو أكثر من الدواء: يحتاج إلى كلمة، إلى طمأنينة، إلى إحساس بأنه ليس رقمًا في سجل، بل إنسانًا له قيمة. وكذلك كبار السن، الذين قدموا أعمارهم في خدمة مجتمعهم، ثم يجدون أنفسهم في مرحلة يحتاجون فيها إلى من يمد لهم يد العناية، فيتحسسون طريقة تقديم الخدمة قبل مضمونها .

ومن هذا المنطلق، أنقل تجربتين عايشتهما بنفسي، لم تكونا مجرد موقفين عابرين، بل كانتا كفيلتين بأن تعيدا تعريف مفهوم "الخدمة" في ذهني، وتؤكدان أن الفرق الحقيقي لا تصنعه الأجهزة، بل يصنعه الإنسان . 

أولًا: كرسي الدكتور جاد… حين يُختصر الألم وتُستعاد الثقة

في عالمنا اليوم، أصبحت أمراض العظام، ولا سيما ما يتعلق بالعمود الفقري وخشونة الركبة، من أكثر ما يشكو منه الناس، حتى غدت حديث المجالس ومنصات التواصل الاجتماعي على حد سواء. وقد امتلأت هذه المنصات بأنواع لا تُحصى من العلاجات، والدعايات لأجهزة مختلفة، يتشبث بها المريض أملًا في الخلاص من ألمه، فيتنقل بين تجربة وأخرى، ومن طبيب إلى آخر، دون أن يجد ما يشفيه أو يخفف عنه معاناته.

وقد يصل به الحال إلى فقدان الثقة بكل ما يُعرض عليه، فيعيش حالة من التشتت بين وصفات طبية متعددة، وعلاجات طبيعية مكلفة، وأجهزة يُروَّج لها دون ضمان حقيقي لفعاليتها، فتتراكم عليه الأدوية، وتتغير من زيارة لأخرى، وتزداد كلفتها، بينما يبقى الألم كما هو، أو ربما يتضاعف.

وفي خضم هذا الواقع المرهق، دلّني أحد الأصدقاء على تجربة مختلفة، تتمثل فيما يُعرف بـ"كرسي الدكتور جاد". في البداية، لم أكن أتوقع أن أجد شيئًا مختلفًا عمّا اعتدنا عليه، وظننت أنني ذاهب إلى مركز علاج طبيعي تقليدي أو إلى طبيب مختص، لكن ما وجدته كان أبعد من ذلك.

عند وصولي إلى المركز في العاصمة بغداد ، استقبلنا الكادر بترحاب لافت، يعكس مستوى من الاحترام والاهتمام قلّما نجده في كثير من الأماكن. ومن خلال شرح مبسط، تبيّن لي أن "الدكتور جاد" ليس شخصًا بقدر ما هو جهاز، عبارة عن كرسي مكوَّن من أحجار كورية تُسخَّن وتُمرَّر على فقرات الظهر، لتعمل على تدليكها، وتحفيز الأعصاب، والمساعدة في إعادة الفقرات إلى وضعها الطبيعي مع تكرار الجلسات، فضلًا عن منح العضلات مرونة أكبر.

لكن ما شدّ انتباهي أكثر من طبيعة العلاج، هو طريقة تقديمهفقد وجدت كادرًا شبابيًا مثقفًا، مدرّبًا على التعامل مع المرضى، يمتلك وعيًا حقيقيًا بما يقدمه، ويحرص على أن يشعر المريض بالراحة والاهتمام. لم يكن التعامل جافًا أو روتينيًا، بل كان يحمل طابعًا إنسانيًا واضحًا، يجعل المريض يشعر بأنه موضع عناية حقيقية.

ولعل المفاجأة الأكبر كانت في أن هذه الخدمة تُقدَّم بشكل مجاني بالكامل، ولكلا الجنسين، وهو ما يجعلها تجربة فريدة في ظل ما يعانيه المواطن من أعباء مالية نتيجة تكاليف العلاج.

ومن خلال الحديث مع الكادر، علمت أن هذا الجهاز حاصل على موافقات من وزارة الصحة العراقية من حيث الجودة، وأنه مستخدم منذ أكثر من عشرين عامًا في دول مثل تركيا وإيران، وهو ما يعزز من موثوقيته، وإن كان ذلك بحسب ما نُقل إليّ.

وهنا، لا يمكن للمرء إلا أن يتوقف متسائلًا: لماذا لا تحظى مثل هذه المبادرات بالدعم الكافي من الجهات المعنية؟ ولماذا لا يتم العمل على تعميمها وتوسيع نطاقها، خاصة في المناطق الشعبية أو البعيدة عن مراكز المدن، حيث الحاجة إليها أكبر؟

إن ما يميز هذه التجربة لا يكمن فقط في طبيعة العلاج، بل في الفلسفة التي تقوم عليها

خدمة إنسانية تُقدَّم باحترام، وبلا مقابل، وهو ما يعيد للمريض شيئًا من ثقته التي فقدها بين كثرة العلاجات وقلة النتائج .

لدى إدارة الجريدة رقم مبايل هذا المركز أتمنى التواصل معه من قبل الجهات المعنية لكي تعمم تجربة العلاج المجاني وإمكانية فتح اكثر من مركز مجاني لخدمة المواطن والتخفيف عن كاهله ماديا .

 

ثانيًا: مستشفى المسيب العام… حيث تتحدث الإنسانية بصوت أعلى من الإمكانيات

في تجربة أخرى، لم تكن مخططة، بل فرضتها الظروف، وجدت نفسي أمام موقف كشف لي الوجه الحقيقي للإنسانية في أبسط صورها.

ففي طريق عودتي من زيارة إلى كربلاء المقدسة " ليلا "  برفقة أخي الكبير، شعر بضيق شديد في التنفس عند مشارف مدينة المسيب. في تلك اللحظة، لم يكن أمامي سوى البحث عن أقرب مركز صحي يمكن أن يسعف حالته، وسط قلق متزايد وخوف من أن لا نجد ما نحتاجه من عناية.

توجهنا إلى مستشفى المسيب العام، وأنا أحمل في ذهني توقعات متواضعة، خاصة مع ما يُعرف عن ضعف الإمكانيات في بعض المؤسسات الصحية. لكن ما إن دخلنا إلى قسم الطوارئ، حتى بدأت هذه الصورة تتغير تدريجيًا.

رغم بساطة المكان وقلة التحديث فيه، إلا أن الكادر كان على درجة عالية من اليقظة والتنظيم. تحرك الجميع بسرعة، وتوزعت الأدوار بينهم بشكل لافت؛ هذا يقيس الضغط بأجهزة حديثة، وذاك يُجري تخطيط القلب، وآخر يرافق المريض بكلمات تطمئن وتخفف من حدة القلق.

لم يكن المشهد مجرد أداء وظيفي، بل كان حالة إنسانية متكاملة، يظهر فيها الإخلاص في أبسط التفاصيل.

وعندما تم تشخيص الحالة على أنها ارتفاع في ضغط الدم، أُعطي أخي العلاج، وبدأت حالته تستقر، لكن الطبيبة المناوبة لم تكتفِ بذلك، بل أصرت على إبقائه تحت الملاحظة وإجراء فحص بالأشعة المقطعية "  المفراس " ، حرصًا  من الطبيبة على التأكد من سلامته بشكل كامل.... 

توجهنا إلى قسم الأشعة، وأنا أتوقع إجراءات طويلة وانتظارًا مرهقًا، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. استقبلتنا مسؤولة الأشعة بلطف، وطلبت منا التوجه مباشرة إلى قاعة  الاشعة المقطعية "المفراس " ، ولم تمضِ سوى دقائق حتى لحقت بنا، وتم إجراء الفحص بسرعة غير متوقعة، وعدنا بالنتائج خلال وقت قياسي.

وعند عرض النتائج على الطبيبة، رأيتها تتعامل معها باهتمام بالغ، وكأنها تخص أحد أفراد عائلتها، تتمعن في كل صورة، ثم سارعت بنفسها إلى متابعة الحالة مجددًا من خلال الفحص السريري  .

وفي لحظة إنسانية لا يمكن أن تُنسى، احتاجت إلى نزع جورب أخي لوضع جهاز التخطيط، فقامت بذلك بنفسها دون أي تردد. وعندما حاولت الاعتذار أو التدخل، بادرتني بكلمات بسيطة لكنها عميقة : :

"لا تهتم… إنه مثل والدي"

في تلك اللحظة، أدركت أنني لا أقف أمام طبيبة تؤدي واجبها فقط، بل أمام إنسانة تمارس مهنتها بروح حقيقية، ترى في المريض إنسانًا قبل أن تراه حالة طبية.

ولم تكتفِ بذلك، بل طلبت مني أن أتحدث معها بعيدًا عن أخي، وأخبرتني بهدوء أن حالته مستقرة الآن، لكنها تخشى من أي تدهور، وأصرت على بقائه تحت الملاحظة لفترة إضافية للاطمئنان عليه ... .

لقد شعرت، في تلك اللحظات، أننا في أيدٍ أمينة، لا بسبب الأجهزة أو الإمكانيات، بل بسبب أشخاص يعرفون معنى المسؤولية، ويضعون الإنسان قبل كل شيء. 

إن المؤسسات الصحية لا تُقاس فقط بعدد أجهزتها وأسِرّتها، بل بما تزرعه في نفس المريض من طمأنينة وثقة. وحين نجد كادرًا يعمل بروح المسؤولية والرفق، فإن من الواجب ألا نكتفي بالثناء عليه، بل أن نوثق تجربته، ونتعلم منها، ونجعلها نموذجًا يُحتذى في بقية مؤسساتنا الصحية.   

وفي الختام ... 

ما بين تجربة علاج مجاني قائم على حسن التعامل، وتجربة مستشفى بسيط تجلت فيه أسمى معاني الإنسانية، يتأكد لنا أن الفرق الحقيقي في جودة الخدمات الصحية لا يكمن في الإمكانيات المادية وحدها، بل في العنصر البشري الذي يديرها.

فالإنسان، حين يتحلى بالمروءة، يستطيع أن يحوّل أبسط الإمكانيات إلى تجربة عظيمة، وحين يغيب هذا الجانب، تفقد أكبر المؤسسات قيمتها مهما امتلكت من تجهيزات.

إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط المزيد من الأجهزة أو الأبنية الحديثة، بل المزيد من الإنسانية في الأداء، لأن المريض لا يبحث عن العلاج وحده، بل عن شعور بالأمان، وعن يد تمتد إليه بعطف، وعن كلمة تخفف عنه ألمه.

وحين تتحول المروءة إلى ثقافة عمل، عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا نسير في الطريق الصحيح نحو خدمة صحية تليق بالإنسان  . اتفقت مع إدارة الجريدة على عمل حوار شامل عن تلك المستشفى ( لو كان هذا ممكن)  لكي نتعمق في استخلاص نتائج تساعدنا على اظهار الجوانب الإيجابية للعاملين في الحقل الطبي وهذا اكيد سيعزز الثقة ويميز المتميزين من الأطباء والعاملين في هذا الحقل المهم الذي هو بتماس مع المواطن  " واي  " مواطن انه المواطن الذي يتألم ويحتاج ان تمد له يد ملائكة الرحمة بالرفق قبل الدواء .

تعليق

أحدث أقدم