
حليم سلمان
شهدت السنوات الأخيرة ظهور توجه جديد في التفكير الاقتصادي العراقي، يتمثل في تبني فلسفة "الاقتصاد الاجتماعي"، أو "السوق الاجتماعية"، وهي مقاربة تهدف إلى تحقيق توازن مدروس بين دور الدولة وآليات السوق. هذا التحول يأتي استجابة للتحديات العميقة التي يواجهها الاقتصاد الريعي، الذي ظل لعقود يعتمد، بشكل شبه كلّي، على عائدات النفط، ما جعله هشًّا أمام الأزمات وتقلبات الأسعار العالمية.
وبطبيعة الحال، اعتاد السوق العراقي على نمط من السلوك الاقتصادي القائم على اقتناص الفرص الريعية، دون التوجه الجاد نحو التنويع والإنتاج الحقيقي. من هنا تبرز أهمية الاقتصاد الاجتماعي كخيار استراتيجي، يهدف إلى تفكيك هذه المعادلة عبر تعزيز الشراكة الفاعلة بين الدولة والقطاع الخاص.
يقول خبراء إن تفعيل الأطر القانونية، مثل المادة (31) من قانون الشركات العامة، يمثل خطوة محورية في هذا الاتجاه، إذ إنه يتيح تأسيس شركات مختلطة تجمع بين القطاعين العام والخاص، ويفتح الباب أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية، ويمكن أن تسهم مثل هذه الشراكات في إدخال التكنولوجيا الحديثة، وإعادة تشغيل المشاريع الصناعية المتوقفة، بما يعيد الحيوية إلى القطاعات الإنتاجية.
وفي سياق التنويع الاقتصادي، تبرز ضرورة استثمار الموارد الطبيعية غير المستغلة، (كالكبريت والفوسفات والغاز والسيليكون)، ليس فقط عبر تصديرها كمواد خام، بل من خلال تطوير صناعات تحويلية تضيف قيمة اقتصادية وتسهم في توفير فرص عمل. كذلك، فإن إعادة النظر في السياسة النفطية باتت ضرورة ملحة، من خلال التوجه نحو تصدير جزء من الإنتاج كمشتقات نفطية، بدلًا من الاعتماد الكامل على الخام.
ولا يقل أهمية عن ذلك، إطلاق دور القطاع الخاص، خاصة في الصناعات الإنشائية، ودعمه ليكون شريكًا أساسيًا في مشاريع الإعمار، إلى جانب إنشاء مدن صناعية متكاملة تحتضن أنشطة متنوعة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ليشكل ركيزة أساسية في امتصاص البطالة وتعزيز النمو.
أما في القطاع الزراعي، والشراكة مع الشركات العالمية، فيمكن أن تحوّل الأراضي الزراعية إلى مشاريع إنتاجية حديثة، دون التفريط بملكيتها، عبر إدخال تقنيات متطورة وربط الإنتاج بالصناعات الغذائية.
المتخصصون يتفقون على أن الإصلاحات تواجه تحديات سياسية معقدة، ما يستدعي الفصل بين التقلبات السياسية ووضع استراتيجية اقتصادية ثابتة، تكون بمثابة عقدٍ وطني ملزم، يضمن استدامة التنمية ويؤمن مستقبل الأجيال القادمة. بذلك، يمكن للاقتصاد الاجتماعي أن يشكل بوابة حقيقية نحو اقتصاد عراقي متنوع ومستقر.
إرسال تعليق