
ناجي الغزي
لم يعد التوتر بين واشنطن وطهران مجرد تبادل للتهديدات أو حرب تصريحات في الإعلام، بل تحول إلى اختبار استراتيجي حقيقي يضع الولايات المتحدة أمام أحد أصعب القرارات منذ عقود. فخلف الأبواب المغلقة في البنتاغون يجري تقييم بارد لمعطيات ميدانية معقدة: مخازن عسكرية تتعرض للاستنزاف، معادلات ردع غير متكافئة، واحتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة قد تتجاوز حدود الخليج. وفي هذه اللحظة الحساسة يجد الرئيس الأمريكي نفسه بين خيارين قاسيين: التصعيد العسكري بما يحمله من مخاطر انفجار إقليمي واسع، أو البحث عن تسوية سياسية تعكس اعترافاً ضمنياً بحدود القوة الأمريكية في عالم يتغير بسرعة.
*أولاً: جوهر المأزق الأمريكي – فجوة القوة بين النظرية والواقع*
الفكرة المركزية في المقال هي أن التفوق العسكري الأمريكي لم يعد يعني القدرة على الحسم.
فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك أكبر ميزانية دفاعية في العالم، لكنها تواجه اليوم ما يسميه العسكريون “مفارقة القوة” وهي القدرة التكنولوجية العالية، مقابل عجز عن إدارة صراعات طويلة منخفضة الكلفة للخصم. النموذج الذي يمكن الإشارة اليه هو: صاروخ اعتراض أمريكي يكلف مبلغ بين 2–3 ملايين دولار، ومسيّرة أو صاروخ منخفض الكلفة بين 20 ألف الى 100 ألف دولار.
هذه المعادلة تخلق ما يعرف في الدراسات العسكرية باقتصاد الاستنزاف غير المتكافئ. أي أن الخصم لا يحتاج إلى هزيمة الجيش الأمريكي، بل فقط إجباره على إنفاق موارد هائلة لإسقاط تهديدات رخيصة. وهذا تحديداً ما تحاول إيران فعله وفق العقيدة المعروفة باسم:
استراتيجية الاستنزاف المتدرج (Gradual Attrition Strategy) وهي تقوم على:
1. توسيع مسرح العمليات.
2. ضرب المصالح لا الجيوش.
3. إبقاء الخصم في حالة استنفار دائم.
4. رفع الكلفة السياسية والاقتصادية للحرب.
*ثانياً: التحول في طبيعة الحروب – من الحسم إلى الإنهاك*
الدرس التاريخي في الحروب يقول: القوى العظمى لا تسقط غالباً في المعارك الكبرى، بل في الحروب الطويلة منخفضة الوتيرة. وهذا ما حدث في حرب فيتنام، وفي الحرب على العراق، والحرب على أفغانستان. في هذه الحروب كانت المشكلة ليست القدرة العسكرية، بل الاستنزاف السياسي والاقتصادي والنفسي.
إيران، وفق القراءة الاستراتيجية، تحاول دفع الولايات المتحدة إلى هذا النوع من الفخ الاستراتيجي الذي يقوم على: لا حرب شاملة، ولا سلام كامل، بل توتر دائم مكلف.
*ثالثاً: أزمة المخازن العسكرية الأمريكية*
أحد أهم النقاط في هذه المواجهة هي نضوب المخازن العسكرية. هذه ليست مبالغة إعلامية بالكامل، بل موضوع يناقش فعلاً داخل المؤسسات العسكرية الغربية منذ حرب أوكرانيا. المشكلة الأساسية هي أن: الجيش الأمريكي صُمم تاريخياً لخوض حرب قصيرة عالية الكثافة
وليس حرب استنزاف طويلة متعددة الجبهات. واليوم تواجه واشنطن ثلاث ساحات ضغط رئيسية: أوروبا (الحرب الأوكرانية)، وشرق آسيا (الصين وتايوان)، والشرق الأوسط (إيران وحلفاؤها). وهذا يخلق ما يسمى في الاستراتيجية: Overstretch التمدد الاستراتيجي المفرط
وهو أحد الأسباب الكلاسيكية لانهيار الإمبراطوريات.
*رابعاً: النفط كسلاح استراتيجي*
يُعد الخليج العربي أحد أهم مفاصل الطاقة في العالم، ولا سيما مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. لذلك فإن أي اضطراب في أمن الملاحة فيه يمكن أن ينعكس سريعاً على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. فالقضية لا ترتبط فقط بالمواجهة العسكرية المباشرة، بل بتوازن معقد بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة الدولية.
ومن هنا تختلف طبيعة الصراع عن الحروب التقليدية، إذ لا يتطلب التأثير إغلاق الممر بالكامل. فمجرد تهديد الملاحة أو استهداف ناقلات بشكل متفرق، أو انتشار معلومات عن ألغام بحرية، كفيل بإثارة القلق في أسواق الطاقة وشركات الشحن. والنتيجة هي ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، ما ينعكس مباشرة في أسعار النفط.
وهكذا يتحول هذا الممر البحري الضيق إلى نقطة تأثير كبرى في الاقتصاد العالمي، حيث يصبح التحكم بمستوى المخاطر فيه أداة ضغط استراتيجية قادرة على إرباك الأسواق حتى دون اندلاع حرب واسعة. حيث تصبح السيطرة على مستوى المخاطر فيه أداة من أدوات الصراع الاستراتيجي، حتى دون الدخول في مواجهة عسكرية واسعة.
*خامساً: تأثير الحرب على الداخل الأمريكي*
لا يمكن فصل القرارات العسكرية الكبرى في الولايات المتحدة عن تأثيراتها على الداخل السياسي. فالتجربة التاريخية تُظهر أن الحروب الخارجية كثيراً ما تنعكس مباشرة على المزاج العام للناخب الأمريكي، خصوصاً عندما تترافق مع ارتفاع أسعار الوقود واتساع الإنفاق العسكري. ومع حساسية الاقتصاد الأمريكي لاستقرار أسواق الطاقة، فإن أي اضطراب في إمدادات النفط أو ارتفاع حاد في الأسعار ينتقل سريعاً إلى الداخل عبر زيادة تكاليف النقل والطاقة، ما يضغط على مستويات المعيشة ويزيد من حدة التضخم.
في مثل هذه الظروف تتحول الأزمات الخارجية إلى قضية سياسية داخلية تؤثر في شعبية الإدارة الحاكمة. لذلك لا يُتخذ القرار العسكري في واشنطن بناءً على الحسابات الميدانية وحدها، بل ضمن معادلة أوسع تجمع بين اعتبارات الأمن القومي وتداعيات الحرب على الاقتصاد والرأي العام. ومن هنا تصبح صناديق الاقتراع عاملاً حاضراً في حسابات القوة، حيث قد تحدد الضغوط الداخلية حدود الانخراط العسكري في الخارج.
*سادساً: البعد الدولي وصراع القوى الكبرى*
يتجاوز الصراع بين واشنطن وطهران حدوده الثنائية ليأخذ بعداً دولياً أوسع يرتبط بإعادة تشكيل موازين النظام العالمي. فالقوى الكبرى تراقب تطورات المشهد بعناية، وكل منها يسعى إلى استثمار أي انشغال أمريكي في الشرق الأوسط لتحقيق مكاسب استراتيجية.
روسيا ترى في ارتفاع أسعار الطاقة فرصة لتعزيز مواردها الاقتصادية، وفي الوقت نفسه تحاول تقديم نفسها كفاعل سياسي قادر على لعب دور الوسيط في أزمات المنطقة. أما الصين فتنظر إلى استنزاف القدرات الأمريكية باعتباره فرصة لتسريع التحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب يحد من الهيمنة الأمريكية. وفي المقابل قد تستغل كوريا الشمالية تشتت الاهتمام الأمريكي لتوسيع برامجها الصاروخية والنووية.
هذه المعادلة تعني أن أي تصعيد في الخليج لن يبقى شأناً إقليمياً فحسب، بل قد يتحول إلى ساحة تنافس غير مباشر بين القوى الكبرى، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية في لحظة دولية شديدة الحساسية.
*سابعاً: الخيارات أمام ترامب*
تقف الإدارة الأمريكية أمام خيارين استراتيجيين متناقضين في إدارة الصراع مع إيران،
الخيار الأول: يتمثل في توجيه ضربة عسكرية واسعة بهدف استعادة قوة الردع وإظهار التفوق العسكري الأمريكي. غير أن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية مفتوحة، واستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، فضلاً عن تهديد تدفق الطاقة العالمية وما قد يرافق ذلك من اضطراب اقتصادي واسع.
أما الخيار الثاني: فيتمثل في البحث عن تسوية سياسية عبر وساطات إقليمية، على غرار المسار الذي قاد سابقاً إلى الاتفاق النووي عام 2015. غير أن أي تسوية جديدة قد تختلف في مضمونها، لأنها قد تنطوي على اعتراف عملي بدور ونفوذ إقليمي لإيران مقابل ضمان الاستقرار ووقف التصعيد. وهكذا يجد صانع القرار الأمريكي نفسه بين خيار القوة بما يحمله من مخاطر، وخيار التسوية بما يحمله من كلفة سياسية.
إرسال تعليق