
احسان الموسوي
تعكس الوقائع الاخيرة في العراق والمنطقة اختلالا خطيرا في مفهوم الوطنية وحدودها العملية حيث لم تعد الوطنية اطارا جامعا يقوم على العدالة والمساواة بين المواطنين بل جرى تفريغها من مضمونها وتحويلها في الخطاب العام الى اداة فرز واقصاء تبيح التضامن حين يخدم هوية بعينها وتدينه حين يصدر عن هوية اخرى في هذا السياق يصبح تضامن شخصية رسمية عراقية مع مقاتلة كردية خارج حدود الدولة فعلا محمودا يصنف باعتباره انسانيا او قوميا بينما يتحول الاعتراض عليه الى تهمة جاهزة بالعنصرية او الانغلاق وفي المقابل حين يعلن سني عراقي تعاطفه مع جماعات سنية عابرة للحدود مهما كان خطابها او سجلها الدموي يجد دائما من يمنح ذلك غطاء مذهبيا باعتباره امتدادا طبيعيا للانتماء في مواجهة خصم شيعي مصور سلفا بوصفه خطرا وجوديا لكن هذه المرونة الخطابية تنهار بالكامل عندما يتعلق الامر بشيعي عراقي يبدي تعاطفا مع شيعة خارج الحدود وخصوصا في ايران حيث يستنفر قاموس التخوين دفعة واحدة وتطلق اوصاف التبعية والعمالة وتهم تقويض الدولة وكأن الانتماء المذهبي يتحول فجاة من حق مشروع الى جريمة سياسية واخلاقية هذا التناقض لا يمكن تفسيره بوصفه اختلافا عفويا في الرأي او حساسية وطنية بريئة بل هو نتاج مسار ثقافي وسياسي طويل عمل على عزل الشيعة عن محيطهم وتجريدهم من اي عمق تضامني عابر للحدود بهدف تحويلهم الى كتلة منزوعة السند سهلة الاستهداف وقد اثبتت التجربة التاريخية ان هذا العزل لم يكن يوما غاية بحد ذاته بل مقدمة لاقصاء اشد قسوة انتهى في اكثر من محطة الى ابادة رمزية ثم مادية كما شهد العراق في حقبة البعث ثم في زمن داعش الاخطر في هذا المسار انه يعيد تعريف الوطنية بوصفها صراعا داخليا لا مظلة حماية مشتركة ويختزل السيادة في قطيعة مذهبية لا في استقلال القرار الوطني فالحدود التي رسمتها سايكس بيكو يجري تجاوزها بلا تردد حين يخدم التجاوز هوية معينة بينما تتحول الى خطوط حمراء مقدسة حين يتعلق الامر بهوية اخرى ولن اقف عند هذا الحد في التوصيف بل احذر من مالات هذه الوطنية الزائفة لان استمرار هذا المنطق يعني تكريس دولة عاجزة عن بناء عقد اجتماعي متوازن دولة تقوم على تصنيف مواطنيها وفق ولاءاتهم المفترضة لا حقوقهم الدستورية وتفتح الباب امام صراعات داخلية دائمة يجري فيها استدعاء الخارج مرة بوصفه حليفا ومرة بوصفه فزاعة بحسب حاجة الخطاب السائد ان اي وطنية تطلب من فئة بعينها قطع امتداداتها والتبرؤ من تاريخها وهويتها ليست وطنية بل مشروع اخضاع وان الدولة التي لا تحتمل التعدد في اشكال التضامن هي دولة تخشى مواطنيها اكثر مما تحميهم ان الخروج من هذه الازمة لا يكون عبر مزيد من التخوين ولا عبر فرض تعريف احادي للوطنية بل عبر اعادة الاعتبار لمفهومها بوصفها حقا متساويا في الانتماء والتضامن والاختلاف والاقرار بان الانتماءات العابرة للحدود ليست حكرا على قومية او مذهب وان تجريمها بشكل انتقائي لا يدافع عن الدولة بل يقوض شرعيتها من الداخل في المحصلة لا يمكن بناء دولة مستقرة على اساس وطنية انتقائية لان هذه الوطنية ليست سوى غطاء ناعم لمشاريع اقصاء قديمة بوجوه جديدة وما لم يتم تفكيك هذا الخطاب فان التاريخ سيعيد انتاج نفسه ولكن بكلفة اعلى يدفع ثمنها الجميع دون استثناء .
إرسال تعليق