​*قراءة في تشكيل المجلس السياسي السنّي*



ناجي الغزي/ كاتب وسياسي


في خضم المشهد السياسي العراقي المتقلب، برز تشكيل المجلس السياسي السني بقيادة القوى السنّية كحدث مفصلي يفتح ملفات استراتيجية حول تنظيم البيت السنّي وإعادة هندسة موقعه في المعادلة السياسية الوطنية. ليس هذا التشكيل مجرد خطوة شكلية أو إعلان بروتوكولي، بل هو محاولة لتعلم دروس تجربة أثبتت نجاحها على مستوى إدارة الصراع السياسي في العراق، ألا وهي تجربة الإطار التنسيقي الشيعي.

لقد نجح الإطار الشيعي في بناء منصة مركزية لصنع القرار، وتحويل خلافات متعددة إلى قوة تفاوضية موحدة، وسيطر عملياً على مفاصل اللعبة السياسية، من اختيار رئيس الحكومة إلى إدارة الملفات الداخلية والخارجية الحساسة. هذا النجاح لم يغب عن القوى السنّية، التي تدرك اليوم أن تكرار النموذج أو محاكاته أصبح ضرورة سياسية أكثر من كونه خياراً تكتيكياً، وأن قوة التماسك الداخلي قد تكون البوابة الوحيدة للحفاظ على حضور فاعل وتأثير ملموس في صنع القرار الوطني.


*خلفيات التشكيل*


المشهد السنّي عانى لسنوات من التشتت والانقسامات الداخلية، سواء على مستوى الزعامات أو على مستوى النواب. هذا التشرذم أضعف النفوذ السنّي في مفاوضات تشكيل الحكومة وجعل المكون السنّي عرضة للتشظي. من هنا، جاء تشكيل المجلس بهدف توحيد الصفوف وإعادة المركزية للقرار السنّي، بما يمنح هذا المكون القدرة على التفاوض بشكل أكثر فاعلية في الملفات السيادية، والسيطرة على المواقع الحساسة، وضمان تمثيل متوازن في الحكومة المقبلة.


*أهداف المجلس ودوره المتوقع*


يبدو أن المجلس ليس مجرد هيئة استشارية، بل محاولة لبناء مرجعية سياسية سنّية تُوجه القرار وتضبط التباينات بين القوى المختلفة. من مهامه المحتملة:

إدارة التنافس بين الزعامات السنّية، مثل الحلبوسي والخنجر، ومثنى السامرائي وتحجيم الانقسامات الداخلية.

تحديد الموقف من الحكومة المقبلة، خاصة فيما يتعلق برئيس النواب والحقائب الوزارية.

صياغة خطاب سياسي موحد تجاه القوى الأخرى، سواء الإطار الشيعي أو الكرد، وضمان حضور سنّي موحد في مفاوضات السلطة.


*لماذا كانت تجربة الإطار ناجحة؟*


نجاح تجربة الإطار التنسيقي الشيعي لم يأتِ صدفة، بل كان نتاج استراتيجية محكمة ركزت على مركزية القرار والسيطرة على اللعبة السياسية. فقد حول الإطار خلافاته الداخلية إلى قوة تفاوضية موحدة، حيث ركز القرار في "طاولة واحدة"، وعزل اللاعبين الخارجين عن الإجماع، مانعاً بذلك أي محاولة من الكرد أو القوى السنّية لاستثمار الانقسامات الداخلية للشيعة. النتيجة كانت واضحة: رئيس وزراء يخضع لتوازنات الإطار، وليس العكس، وهو ما أعطى البيت الشيعي مركز ثقل يوازن النفوذ ويحميه من التشرذم الذي عانت منه بقية المكونات العراقية.

القوى السنّية، التي تراقب عن كثب هذا النموذج، استخلصت درساً مباشراً: التشرذم يساوي خسارة سياسية، والزعامات المنفردة لم تعد قادرة على تحقيق المكاسب. لقد فرض الإطار معادلاته لأنه موحَّد داخلياً حتى في ظل الانقسامات الظاهرية، وهو ما يجعله نموذجاً جذاباً للسنّة الذين يسعون اليوم إلى تكرار التجربة بأسلوبهم الخاص لضمان قوة وتأثير موحّد في المشهد السياسي العراقي.

ومع ذلك، تبقى التحديات أمام المجلس السياسي السني كبيرة وكثيرة، وذلك بسبب: غياب مرجعية إلزامية كالتي يمتلكها الإطار الشيعي، سواء كانت دينية أو حزبية قوية. والارتباطات الإقليمية المتباينة للزعامات السنّية، والتي قد تهدد التماسك الداخلي. وكذلك المنافسة الشخصية بين القيادات على الزعامة والتأثير، وهو عامل يمكن أن يقوض أي مشروع توحيدي.


*فرص النجاح والتحديات*


نجاح المجلس السياسي الوطني السنّي سيكون مرهوناً بقدرته على ضبط الخلافات الداخلية وتوحيد الموقف تجاه الحكومة المقبلة، إضافة إلى تقديم خطاب سياسي موحد في الملفات السيادية. إذا تحقق ذلك، فسيصبح المجلس أول إطار سنّي قادر على تحقيق مستوى من المركزية السياسية يشبه تجربة الإطار الشيعي، وإن بصيغة تتلاءم مع خصوصية المكون السنّي وطبيعة علاقاته الداخلية والخارجية.

أما في حالة الفشل، فستظل القوى السنّية مشتتة وغير قادرة على التحكم بالقرار السياسي، كما كان الحال طوال السنوات الماضية، وسيبقى تأثيرها على الاستحقاقات الحكومية محدوداً وهشاً.

لكن الفارق الحقيقي بين تجربة الإطار والمجلس الجديد يكمن في قضية الالتزام والانضباط الداخلي: فقد توحّد الإطار الشيعي لأنه لم توجد بدائل خارجية قوية تغري أي طرف بالخروج عنه، بينما يظل البيت السنّي معرّضاً دائماً للانشطار بسبب النفوذ الإقليمي، وتدفقات المال السياسي، وتضارب الولاءات بين الزعامات المختلفة. هذا يعني أن نجاح المجلس لن يكون تلقائياً، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية وتضحيات شخصية لإرساء الوحدة التي طالما افتقدها المكون السنّي.

إرسال تعليق

أحدث أقدم