
إحسان الموسوي
في زحمة الضجيج الإعلامي والتصريحات المتناقضة حول استهداف موقع گورمور تبرز الحاجة إلى قراءة استراتيجية عقلانية تتجاوز الانفعالات وتغوص في عمق المعطيات فالهجوم لم يكن وليد لحظة عابرة بل جاء ضمن سياق بروباغندا ممنهجة وعداءات مبيتة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية وتُدار بأدوات إعلامية واستخبارية تتجاوز حدود العراق
المؤشرات الأولية ترجح أن تركيا تقف خلف هذا الاستهداف انطلاقاً من عقيدتها السياسية المرتبطة بمبدأ الإخوان المسلمين وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع الإمارات التي تخوض صراعاً مفتوحاً ضد هذا التيار في أكثر من ساحة إقليمية من ليبيا إلى اليمن ومن السودان إلى سوريا هذا التفسير لا يأتي من فراغ بل يستند إلى تقارير استخبارية وتسريبات إسرائيلية تحدثت عن تورط تركي مباشر في العملية إضافة إلى الكشف عن شبكة تجسس إماراتية تعمل داخل الأراضي التركية ما يعزز فرضية التصعيد المتبادل بين الطرفين على الساحة العراقية
في المقابل تبدو الاتهامات الموجهة إلى الفصائل العراقية المسلحة غير منطقية ولا تستند إلى أي دليل مادي هذه الفصائل التي خاضت الانتخابات البرلمانية وحققت نتائج متقدمة باتت اليوم جزءاً من العملية السياسية وهي منخرطة في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة وبالتالي فإن مصلحتها تكمن في الحفاظ على الاستقرار لا في خلط الأوراق بعمليات عبثية لا طائل منها
إدانة الشيخ قيس الخزعلي لهذا الهجوم تمثل مؤشراً إضافياً على عدم تورط الفصائل فالرجل لم يتردد سابقاً في تبني عمليات عسكرية حين كانت جزءاً من استراتيجيات معلنة واليوم حين ينفي ويستنكر فهو يفعل ذلك من موقع سياسي وأمني يدرك حساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى مواجهات جانبية لا تخدم سوى خصوم العراق
التحليل الفني لنوع السلاح المستخدم يكشف أن الهجوم لم يتم بصواريخ أُطلقت من طوز خورماتو كما زعم هوشيار زيباري بل عبر وسيلة أخرى لم ترصدها القطعات العسكرية المنتشرة في المنطقة ما يسقط رواية زيباري بالكامل ويضع علامات استفهام حول دوافعه في توجيه الاتهام للفصائل دون دليل
ما جرى في گورمور ليس حادثاً عرضياً بل حلقة في سلسلة صراعات إقليمية تُدار على الأرض العراقية بأدوات متعددة منها الإعلام ومنها الاستخبارات ومنها أيضاً بعض الأصوات السياسية التي تُستخدم لتبرير التدخلات الخارجية تحت غطاء الوطنية الزائفة
العراق اليوم بحاجة إلى خطاب سيادي واضح يرفض أن يكون ساحة لتصفية الحسابات بين أنقرة وأبوظبي أو غيرهما من اللاعبين الإقليميين كما يحتاج إلى وعي شعبي يميز بين الفاعل الحقيقي وبين من يُراد له أن يكون كبش فداء في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل
الواقعية تفرض علينا أن نقرأ الأحداث بعين باردة لا بعين مشتعلة وأن نسمي الأشياء بأسمائها دون مواربة أو مجاملة فالوطن لا يُحمى بالشعارات بل بالحقائق والوعي .