
ناجي الغزي/كاتب وسياسي
ما شهدته بغداد مؤخراً من نصب *"الغرفة الزجاجية"* في ساحة التحرير وسط بغداد، لم يكن مجرد فعالية عابرة أو حملة خيرية كما جرى تسويقها. فالمشهد الذي جمع عدداً من *أصحاب المحتوى الهابط* داخل غرفة شفافة، بحجة جمع التبرعات لذوي الاحتياجات الخاصة، حمل منذ اللحظة الأولى إشارات تتجاوز البعد الخيري إلى *أبعاد سياسية ونفسية واجتماعية أعمق*.
فالمبادرة، التي أُعلن عنها كحملة تطوعية لشراء كراسي كهربائية للمعاقين، بدت نسخة مكررة من تجارب اختُبرت سابقاً في *دبي وبيروت*، حيث وظّفت هذه النماذج كأدوات للتأثير على الوعي العام، وتشكيل اتجاهات الرأي، وخلق موجات ترند مدروسة. غير أنّ انتقال النموذج إلى بغداد وتحديداً إلى *ساحة التحرير*، أعطاها طبيعة مختلفة وأشد حساسية. فهذه الساحة ليست مكاناً عادياً؛ بل هي تعتبر مركز الحركة الاحتجاجية، وأيقونة التغيير السياسي، ومساحة محمّلة بالرموز السياسية، وذاكرة الاحتجاج، ونقطة ارتكاز لمزاج الشارع العراقي.
لهذا جرى التعامل مع الغرفة الزجاجية بوصفها أكثر من مجرد مشروع خيري، إنها *أداة قياس لنبض المجتمع*، و*مختبر اجتماعي* لمراقبة كيفية استجابة الجمهور، و*مستشعر نفسي-سياسي* لقراءة ردود الأفعال، و"بروفة" أولى لاختبار قدرة بعض المؤثرين على تحريك الشارع أو جذب انتباهه في لحظة سياسية حرجة تسبق تشكيل الحكومة الجديدة.
*أولاً: امتحان صامت للمجتمع*
في الدول التي تفشل فيها السياسة في احتواء المجتمع، تتحوّل مراكز النفوذ الاخرى إلى أدوات بديلة مثل: الإعلام، والمؤثرون، وصناعة المحتوى، والسلوك الجمعي، وقياسات نفسية لحركة الشارع. وحين يصبح الشباب أكثر وعياً، وأكثر قدرة على التحرك، وأكثر سرعة في رد الفعل، تبحث الجهات المتصارعة عن أدوات غير سياسية للتأثير فيه. وهذا ما يحدث تماماً في العراق. السياسة لم تعد قادرة على ضبط الوعي. وبالتالي، تمّ نقل المعركة من ساحات النقاش السياسي إلى ساحات الإحساس والانفعال، والفوضى الناعمة، والترفيه المسيس. حيث يتحول المؤثر إلى صانع موقف، والمحتوى الساذج إلى أداة تعبئة، والضجيج الرقمي إلى بديل عن الحوار.
ما يجري اليوم هو محاولة لإعادة تشكيل المزاج الشعبي عبر قنوات غير مرئية، قنوات تتسلل إلى الوعي دون مقاومة، وتخلق انطباعات تتقدم على التفكير، وعواطف تسبق الفكرة. وبذلك يتحول المجتمع إلى موضوع امتحان صامت:
امتحاناً لمدى قدرة الشارع على حفظ توازنه في زمن تُستبدل فيه السياسة بآليات التأثير النفسي، ويُعاد فيه إنتاج الوعي عبر أدوات تبدو ترفيهية لكنها تعمل كأذرع لضبط المجال العام.
*ثانياً: ما هو الهدف الحقيقي؟ ولماذا الآن؟ *
فمن خلال هذه التجربة، يعمل القائمون على المشروع على اختبار منظومة التأثير في الشارع: من يمتلك القدرة على جذب الجمهور؟ من يستطيع تحريك الشارع والتأثير على المزاج العام؟ من يثير الانتباه؟ ومن يمكن هندسته ليصبح رمزاً اجتماعياً جاهزاً للاستخدام السياسي والإعلامي لاحقاً؟ الغرفة ليست مشروعاً خيرياً، ولا حتى حملة إعلامية مؤقتة، إنها مرحلة فرز وانتقاء لوجوه جديدة سيتم دفعها مستقبلاً إلى واجهة التأثير، سواء في السياسة أو المجتمع أو الإعلام. إنها بداية هندسة رموز جديدة تُصنع خارج الأطر التقليدية، وبأدوات تُصوَّر كترفيه لكنها تعمل كاختبارات للولاء، والقدرة، والانتشار.
المرحلة السياسية الراهنة في العراق شديدة الحساسية: حكومة جديدة على الأبواب، صراعات نفوذ متصاعدة بين القوى السياسية، تغير في بنية السلطة، وهشاشة واضحة في المزاج الشعبي. في مثل هذا السياق، أي جهة تطمح للهيمنة على المرحلة القادمة تعرف أن السيطرة تبدأ من الشارع قبل البرلمان. ومن هنا جاءت فكرة الغرفة الزجاجية: كأداة لقياس نبض الشارع أولياً، وتهيئة الجمهور لأي سيناريو محتمل، سواء احتجاجات مُدارة، أو رأي عام موجه عبر منصات التواصل، أو ضرب الثقة بالمؤسسة الدينية، وخلق رموز بديلة عن العلماء والمراجع، بل ودفع الشباب نحو زعامات جديدة قد تكون غير سياسية. الهدف واضح: السيطرة على المزاج الاجتماعي قبل التحكم بالسلطة الرسمية.
*ثالثاً: المؤثرون … لماذا هم المادة الخام للمشروع؟*
الاعتماد على "أصحاب المحتوى الهابط" لم يكن خياراً عشوائياً، بل خطوة محسوبة بدقة. هؤلاء يمثلون المادة الخام المثالية لأي مشروع يهدف لاختراق الوعي وتوجيهه، للأسباب التالية:
1. سهل السيطرة عليهم: لا يمتلكون استقلالية فكرية أو قاعدة اجتماعية تحميهم من التوجيه.
2. غياب المنظومة القيمية: لا تحركهم مسؤولية أخلاقية أو وعي عام، ما يجعلهم قابلين للتوظيف دون مقاومة.
3. التأثير بالعاطفة لا بالعقل: العاطفة هي الأسرع استجابة والأكثر قابلية للبرمجة والتحريك.
4. جمهورهم سريع الانفعال: وهو النوع الأسهل في الاستخدام السياسي والإعلامي.
5. منصة لاختراق الوعي: فهم لا يبنون وعياً، بل يتسللون إليه عبر الترفيه والضحك والتبرعات المصطنعة، حاملين رسائل سياسية مموّهة تحت غطاء المحتوى العفوي.
بهذه الخصائص، يتحول المؤثرون من البلوكرية والفانشستات إلى أدوات جاهزة لإعادة تشكيل المزاج العام، وصناعة اتجاهات رأي مدارة من خلف الستار.
*رابعاً: خطر الاستثمار الخارجي في وعي الشباب*
الشباب العراقي اليوم يمثل مادة خام جذابة للاستثمار الخارجي في مجال التأثير على الرأي العام والهوية الثقافية. فهناك أطراف خارجية، مثل الإمارات التي طبّقت تجارب النفوذ الناعم في اليمن والسودان والصومال، وسفارات غربية تسعى لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، بالإضافة إلى شبكات محلية تعمل كأذرع إعلامية لهذه القوى. كل هذه الجهات تراهن على الشباب باعتبارهم الأسرع استجابة، الأكثر انفتاحاً على التأثير، والأقل حصانة من رسائل الإقناع والتلاعب النفسي، ما يجعلهم هدفاً مباشراً لمحاولات توجيه المزاج الاجتماعي والسياسي بعيداً عن مصالحهم الوطنية.