
عامر جاسم العيداني
لا يمكن لأي دولة أن تدّعي امتلاك سيادتها الكاملة فيما قرارها الاقتصادي مرهون وملفاتها الأمنية موضع تفاوض وعلاقاتها الخارجية تقاس بميزان رضا هذه الدولة أو غضب تلك وهذه هي المعضلة التي يعيشها العراق اليوم.
فالحديث عن السيادة لم يعد يقتصر على حماية الحدود أو رفع العلم فوق المباني الرسمية بل أصبح مرتبطا بالسؤال الأكثر إيلاما: من يملك القرار العراقي؟
العراق دولة نفطية تعتمد موازنتها بصورة شبه كاملة على عائدات تصدير النفط وينظر على نطاق واسع إلى أن أي اضطراب في آليات التعامل المالي المرتبطة بهذه الإيرادات أو في تدفق الدولار يمكن أن ينعكس على قدرة الحكومة في توفير السيولة اللازمة لتمويل الموازنة ودفع رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين وتأمين متطلبات الدولة الأساسية وعندما تصبح لقمة عيش العراقيين مرتبطة بأي قرار أو إجراء خارجي فإن مفهوم السيادة يصبح محل نقاش حقيقي.
ولم يتوقف الأمر عند الاقتصاد بل امتد إلى السياسة الخارجية فكلما حاول العراق توسيع آفاق التعاون مع الصين أو روسيا برزت تحديات سياسية ومالية يراها كثير من المراقبين انعكاسا للصراع الدولي على النفوذ ليجد العراق نفسه مطالبا بالتحرك داخل هامش ضيق وكأن حقه في تنويع شراكاته الاقتصادية يحتاج إلى موافقات غير معلنة.
أما الملف الأكثر حساسية فهو ملف الفصائل المسلحة وهيئة الحشد الشعبي فالولايات المتحدة تعلن أن بعض الفصائل المسلحة مرتبطة بإيران وتدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة. وفي المقابل تؤكد قوى عراقية أن الحشد الشعبي مؤسسة أمنية شكلت بقانون وأصبحت جزءا من المنظومة الأمنية الرسمية وأن أي قرار يتعلق بمستقبله يجب أن يصدر من بغداد وحدها لا نتيجة ضغوط خارجية.
وفي هذا السياق يتداول كثير من الساسة والمحللين العراقيين رأيا مفاده أن أدوات الضغط المالية والاقتصادية تُستخدم أحيانا بالتوازي مع المطالب السياسية والأمنية الأمر الذي يضع الحكومات العراقية أمام خيارات شديدة التعقيد بين الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاستجابة لضغوط خارجية أو رفضها وتحمل تبعات اقتصادية قد يتحمل المواطن كلفتها.
وهنا يبرز السؤال الذي لا تستطيع أي حكومة الهروب منه: إذا كانت هذه الضغوط حقيقة واقعة فلماذا لا تصارح الشعب بها؟ ولماذا يبقى العراقيون آخر من يعلم فيما تتخذ القرارات المصيرية خلف الأبواب المغلقة؟
إن الحكومة مطالبة بأن تكون واضحة مع مواطنيها فإذا كانت ترى أن العراق يتعرض لضغوط تمس قراره السيادي، فعليها أن تعلن ذلك وأن تشرح للرأي العام طبيعة هذه التحديات وأن تبني موقفا وطنيا جامعا للدفاع عن مصالح البلاد. أما إذا كانت ترى أنها عاجزة عن تنفيذ برنامجها أو حماية استقلال قرارها فإن المسؤولية السياسية تقتضي إعادة النظر في استمرارها لأن السلطة ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لخدمة الوطن.
غير أن تغيير الحكومات وحده لن يحل الأزمة فالحل الحقيقي يبدأ من الداخل عبر بناء اقتصاد متنوع لا يعتمد على النفط وحده وإصلاح النظام المالي والمصرفي وتطوير الصناعة والزراعة وإنجاز المشاريع الاستراتيجية وتنويع الشراكات الاقتصادية مع مختلف دول العالم بما ينسجم مع القانون الدولي والمصلحة الوطنية.
كما أن العراق يحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة لا تجعل منه تابعا لهذا المحور أو ذاك بل دولة تمتلك حرية الحركة وتحافظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين وروسيا والدول العربية انطلاقا من مصلحة العراق وحدها.
إن السيادة لا تمنح ولا تستجدى ولا تكتب في البيانات الرسمية بل تبنى بالاقتصاد القوي والمؤسسات الراسخة ووحدة القرار الوطني. وعندما تصبح رواتب العراقيين واقتصادهم وأمنهم وعلاقاتهم الخارجية بمنأى عن الضغوط الخارجية عندها فقط يمكن القول إن العراق استعاد سيادته كاملة.
أما إذا بقي القرار الوطني يتأرجح بين الضغوط الاقتصادية والاعتبارات الأمنية والتجاذبات الدولية فإن السؤال سيظل مطروحا: هل العراق دولة تمتلك قرارها أم دولة ما زالت تبحث عن الطريق إلى سيادتها الكاملة؟
إرسال تعليق