
بقلم: علي السراي
في بداية تسعينيات القرن الماضي، وفي ليلة شتوية قارسة من ليالي برلين الباردة، وبينما كنت قد ترجّلت من أحد قطارات الأنفاق متجهًا إلى منزلي، وإذا بي أرى أمامي صورةً كبيرةً لرائد المدرسة السريالية العالمية، الفنان الإسباني سلفادور دالي، وقد خُطَّت تحتها مقولته الشهيرة
( العظماء لا يموتون )
حينئذٍ وقفت أمام الصورة، وأخذت أفكر مليًّا في هذه العبارة، لا من باب الإعجاب بها، وإنما من باب التساؤل والإنكار. وتقافزت في رأسي أسئلة كثيرة، منها، كيف لا يموت أمثالك ويُلقى بهم في غياهبُ النسيان؟
فالخلود مرتبة لا ينالها إلا من كانت له مع الله علقةٌ خاصة، ومن اصطفاه الله لحياةٍ سرمدية لا انقطاع لها.
إلا أن هاجسًا آخر تملكني بشأن هذه العبارة.
نعم، العظماء لا يموتون، ولكن أيُّ عظماء هؤلاء؟ ومن هم؟
ولماذا لا يموتون، بل يبقون خالدين؟
وهنا تمثّل أمامي صرحٌ يمتدّ إلى ما لا نهاية.
نعم، الشهداء هم العظماء الذين لا يموتون، وليس أولئك الذين قصدهم دالي في مقولته. فالبقاء والخلود إنما جُعلا لهؤلاء العظماء، الذين قال الله تعالى فيهم
( بل أَحياءٌ عندَ ربَّهم يُرزَقُون )
وهو وعدٌ إلهيٌّ لا يتخلّف.
لقد ظنّ شيطان الاستكبار العالمي بقيادة المعتوه الارعن ترامب وجلاوزته أنهم بقتلهم إمامنا وملهمنا وقائدنا وحبيب قلوبنا، شهيدنا الأعظم السيد الخامنئي، وتغييبه عن الساحة، إنما قد أرسلوه إلى الفناء والعدم.
هكذا حدّثتهم نفوسهم الخبيثة.
إلا أن حساباتهم كانت خاطئة مرةً أخرى. بل أن كل حساباتهم بشأنِ إيران الاسلام كانت وما زالت خاطئة، وهذا الذي أوقعهم في دوامةٍ من الحيرة وأغرقهم في مسلسلٍ متواصلٍ من الهزائم .
أنا هنا لا أتحدث عن مكر الله تعالى بهم، وكيف ارتدّ مكرهم عليهم، وكيف حطّم هيبة أمريكا ومكانتها في العالم وتدميره لذلك الوجود الذهبي لها في المنطقة، وكيف هُزم الجيش الذي كانوا يصفونه بأنه لا يُقهر، وكيف دُمِّر الكيان الحديدي، وأُحيل حالكُ ليله إلى نهار على يد جند الخامنئي العظيم.
بل أنا هنا أتحدث عن الخلود الأبدي، والحياة السرمدية التي رزقها الله تعالى لشهيدنا المقدس.
وعندما أقارن ذلك بعبارة دالي، أقول، كان عليه أن يقرأ عن حياة الشهداء، وعن مقاماتهم بعد الالتحاق بالرفيق الأعلى.
كان عليه أن يعلم أن هذا الرُقي ليس موتًا، بل هو عروجٌ من عالم إلى عالم، لا فناء فيه ولا عدم.
كان عليه أن يُدرك أن العظماء الذين لا يموتون هم أولئك الذين ينتقلون من حياة إلى حياة، والفرق بين الحياتين هو أن الأولى فانية، والثانية باقية.
عندئذٍ فقط، سيكون لمقولته معنى، وستغدو ذات كينونة وماهية.
وأحسبه يقيناً أنه لو عرف حقيقة الشهادة، لتمنّى أن يُرزقها، ليكون حقاً من أولئك العظماء الذين لا يموتون فعلاً وقولاً .
فسلامٌ عليك، سيدي وقائدي وإمامي، الخامنئي العظيم، يوم وُلدت، ويوم استشهدت، ويوم تُبعث وحدك أمةً لتقتصّ من المستكبرين.
وهنيئًا لك لحوقك بقافلة الحياة والخلود الأبدي، قافلة نينوى، وحادي ركبها أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السلام.
وأبلغ عنّا يا سيدنا السلام إلى جميع شهداء العقيدة، وطريق الحق المبين.
اللهم عجل لوليك الفرج والعافية والنصر.
إرسال تعليق