العربية
English
کوردی
عاجل
جاري تحميل الأخبار...
/* حذف breadcrumb + meta في صفحة المقال فقط */ body.item-view .breadcrumbs, body.item-view .breadcrumb, body.item-view [class*="breadcrumb"], body.item-view .post-meta, body.item-view .entry-meta, body.item-view .post-info, body.item-view .post-footer, body.item-view .post-labels, body.item-view .post-author, body.item-view .post-date, body.item-view .comment-link, body.item-view [class*="post-meta"], body.item-view [class*="entry-meta"], body.item-view [class*="byline"] { display: none !important; visibility: hidden !important; height: 0 !important; min-height: 0 !important; margin: 0 !important; padding: 0 !important; overflow: hidden !important; } /* تقليل الفراغات حول العنوان */ body.item-view .post, body.item-view .post-outer, body.item-view .post-header, body.item-view .post-title, body.item-view h1.post-title, body.item-view .entry-title { margin-top: 0 !important; padding-top: 0 !important; } /* تقريب الصورة من العنوان */ body.item-view .post-body, body.item-view .entry-content { margin-top: 0 !important; padding-top: 0 !important; article p, .entry-content p, .post-body p, .post p, .item-content p { margin: 0 !important; margin-bottom: 5px !important; padding: 0 !important; line-height: 1.4 !important; }

​**عندما تستهدف الحرب أمل المجتمع!**


بقلم: د. قدير غولکاریان

ترجمة: د. فاضل علي

عادة ما نعرف الحرب بصوت الانفجارات والدخان والصواريخ وأعداد الضحايا؛ لكن الحقيقة أن أشد جوانب أي حرب دماراً ليس ما يحدث في ساحة المعركة، بل ما ينهار في أعماق الإنسان. فالحرب، قبل أن تدمر المباني، تُنهك الأمن النفسي للمجتمع؛ وقبل أن تُركع الاقتصاد، تستهدف الأمل؛ وقبل أن تغيّر الحدود الجغرافية، تُزحزح حدود الثقة والسكينة في أذهان الناس.

اليوم، تجاوزت المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة 130 يوماً؛ مواجهة طموحة أطلقتها القوة الاستعمارية الأمريكية بدعم من مراكز الفكر وصناعة القرار الصهيونية، كان كثيرون يعتقدون في أيامها الأولى أنها عملية قصيرة الأمد. لكن ما نواجهه اليوم لم يعد عملية محدودة، بل حرب استنزاف تتخذ أبعاداً جديدة كل يوم، وتلقي بتكاليفها الثقيلة ليس فقط على القدرات العسكرية للطرفين، بل على حياة ملايين البشر.

وبحسب تقارير وصور موثقة، اتسع نطاق الهجمات خلال الأسابيع الأخيرة ليتجاوز الأهداف العسكرية البحتة، إذ تعرضت بعض البنى التحتية المدنية للضرر. وأفادت وسائل الإعلام بوقوع هجوم بالقرب من مستشفى الشهيد بقائي في الأهواز، واستهداف صومعة لتخزين القمح في الهويزة؛ وهي تقارير تثير تساؤلات جدية حول احترام مبادئ القانون الدولي الإنساني ومبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية. ويُعدّ استهداف مثل هذه الأهداف المدنية، ولو عن غير قصد، جريمة حرب. ورغم إعلان القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن عملياتها اقتصرت على أهداف عسكرية ونفيها لهذه الحوادث، فإن الصور الموثقة لا يمكن حجبها عن أنظار العالم. بل إن الولايات المتحدة ورئيسها المضطرب نفسياً وصفا بوقاحة حتى الصور المتعلقة بمقابر ضحايا مدرسة "شجرة طيبة" بأنها من نتاج الذكاء الاصطناعي. فأي تعليق يمكن أن يُقال أمام هذا الحمق الفكري؟ يجب أن ندرك أنه بصرف النظر عن اختلاف الروايات، هناك حقيقة واحدة لا تتغير: كلما اقتربت الحرب من البنى التحتية الحيوية وحياة المدنيين، كان أول الخاسرين هم الناس العاديون. ومع الأسف، ورغم الضربات التي توجهها القوات المسلحة الإيرانية الباسلة إلى القواعد العسكرية الأمريكية، يبدو أن الضربة الموجعة التي تجعل رمز الغطرسة هذا يتراجع عن أخطائه لم تصل بعد إلى مقتل.

من جهة أخرى، يُظهر المشهد الاستراتيجي أن هذه الحرب لم تحقق نصراً سريعاً لا لإيران ولا لأمريكا؛ إذ تستمر المعارك المتبادلة ليلاً وسحراً أشبه بلعبة "بينغ بونغ". كما تشير تحليلات صادرة عن مراكز بحثية غربية إلى أن كثيراً من أهداف واشنطن الأولية - كانهيار البنية السياسية الإيرانية بسرعة، وتعطيل القدرة الصاروخية بالكامل، وإنهاء قدرات الردع الإيرانية - لم تتحقق. وفي الوقت ذاته، ورغم قدرة إيران على الصمود في بعض المجالات الدفاعية والردعية، فقد فرضت الضغوط الاقتصادية والقيود التجارية وتراجع الاستثمار والتضخم وتآكل القدرة المعيشية للمجتمع أعباءً ثقيلة على البلاد.

في ظل هذه الظروف، يشكّل مضيق هرمز المحور الأساسي للحرب الراهنة. يدرك معظم الناس أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل تحوّل إلى رمز للتنافس بين إرادتين سياسيتين. تسعى إيران لإثبات أنها ما زالت تملك القدرة على التأثير في أحد أكثر شرايين الطاقة العالمية حساسية، وتثبيت سيادتها القانونية عليه، باعتبار ذلك جزءاً من قوتها الردعية ومكانتها الجيوسياسية. في المقابل، تحاول الولايات المتحدة تقويض هذه الأفضلية الإيرانية، وتعتبر الهجمات الحالية خطوة نحو تحقيق إنجاز استراتيجي لها عبر تقليص نفوذ إيران وقدرتها في المنطقة. وهذا التضارب في المصالح جعل طهران غير مستعدة للتراجع الكامل، وواشنطن غير قادرة على بلوغ أهدافها دون تحمّل مزيد من التكاليف. لكن التاريخ يحذّر من أن حروب الاستنزاف، خلافاً لتصور الساسة الأولي، غالباً ما لا تفرز منتصراً. ففي مثل هذه الحروب، يصبح الزمن هو اللاعب الأهم. فكلما طال أمد الصراع، ارتفعت التكاليف الاقتصادية، وتراجع الاستثمار، واضطربت الأسواق المالية، وازداد الضغط النفسي على المجتمع. وما نشهده من ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية والمخاوف من عودة الركود التضخمي، ليس سوى جزء من التبعات الاقتصادية لهذه الأزمة، التي تجاوزت حدود الشرق الأوسط لتطال الاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، فربما يكمن أكبر خطر لا في ساحة المعركة، بل في صميم مجتمعنا؛ حيث يحل اليأس تدريجياً محل الأمل. فالمجتمع الذي يعيش يومياً أخبار الحرب والتضخم وانعدام اليقين وتراجع الفرص الاقتصادية، قد يشعر شيئاً فشيئاً بأن لا مستقبل مشرقاً ينتظره. وهذا الشعور، إن لم تتم إدارته، قد يخلّف ضرراً أعمق بكثير من الأضرار العسكرية؛ لأن رأس المال الحقيقي لأي بلد هو ثقة شعبه وأمله.

وفي التاريخ المعاصر أمثلة عديدة تثبت أن الحروب الطويلة لا تؤدي بالضرورة إلى انهيار الأمم، شريطة أن تعمل الدولة والمجتمع معاً على الحفاظ على التماسك الداخلي وتقوية الاقتصاد وتخفيف التوترات الخارجية. فبريطانيا، رغم القصف الواسع خلال الحرب العالمية الثانية، تمكنت من تجاوز مرحلة بالغة الصعوبة بفضل حفاظها على الروح المعنوية العامة ومشاركة شعبها. واليابان حوّلت الدمار بعد الحرب العالمية الثانية إلى نقطة انطلاق لإعادة البناء، فأصبحت في أقل من ثلاثة عقود إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم بفضل الإصلاحات الاقتصادية والاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والتفاعل البنّاء مع العالم. وفيتنام أيضاً أدركت بعد سنوات من الحرب أن إعادة بناء الاقتصاد وتطبيع العلاقات الخارجية امتداد طبيعي للمقاومة في ساحة المعركة.

وإيران اليوم أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى استراتيجية شاملة للخروج من الأزمة؛ استراتيجية لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تشمل الاقتصاد والدبلوماسية ورأس المال الاجتماعي أيضاً. الخطوة الأولى هي منع اتساع نطاق الحرب وتقليل احتمال دخول أطراف جديدة فيها. والخطوة الثانية هي إصلاحات اقتصادية ودعم حقيقي للإنتاج والاستثمار ومعيشة الناس؛ إذ لا يمكن لأي بلد أن يدير حرب استنزاف بالاعتماد على القوة العسكرية وحدها. والخطوة الثالثة هي تعزيز الثقة العامة عبر حوار صادق مع المجتمع، والشفافية في الإعلام، والاستفادة من طاقات النخب في صنع القرار. وأخيراً، يجب أن تكون الدبلوماسية النشطة والذكية مكمّلة للقوة الردعية؛ إذ إن كثيراً من الحروب الطويلة لم تنتهِ بانتصار كامل لطرف واحد، بل بإيجاد طريق لإنهاء دائرة الاستنزاف.

وإلى جانب كل هذه المسؤوليات، يبقى دور الشعب مهماً أيضاً. فقد أثبت الشعب الإيراني مراراً في العقود الماضية قدرته العالية على التلاحم في مواجهة الأزمات. وما ينبغي الحفاظ عليه اليوم أكثر من أي شيء آخر هو رأس مال الأمل. فالأمل لا يعني تجاهل الصعوبات، بل يعني الإيمان بحقيقة أن لا أزمة أبدية. وإذا استطاع المجتمع الحفاظ على أمله وتلاحمه وثقته، فسيكون تجاوز أصعب الظروف ممكناً.

الحرب، في النهاية، ستنتهي يوماً ما؛ كما انتهت كل حروب التاريخ. لكن ما يبقى بعد خمود صوت آخر انفجار هو نوعية المجتمع الذي يخرج من رحم الأزمة. وإذا استطعنا اليوم، إلى جانب الدفاع عن الأمن، أن نحافظ على العقلانية والاقتصاد والكرامة الإنسانية والأمل الاجتماعي، فقد يكون الغد بعد الحرب بداية فصل جديد من إعادة البناء والتقدم. أما إذا خسرنا الأمل، فحتى صمت الأسلحة لن يعني نهاية الحرب؛ لأن أصعب معركة هي تلك التي تدور في أعماق الإنسان.

تعليق

أحدث أقدم

Disqus Shortname

sigma-2

ارسل لنا تعليق

[blogger][disqus][facebook]