
محمد حسن الساعدي
الفساد في العراق ليس مجرد ظاهرة إدارية أو مالية بل هو شبكة معقدة تمتد في عمق مؤسسات الدولة وتؤثر على حياة المواطنين بشكل مباشر، فمنذ سقوط النظام السابق عام 2003، دخل العراق مرحلة جديدة من الحكم الديمقراطي، لكن هذه المرحلة رافقها ضعف في مؤسسات الدولة وغياب الرقابة الفعالة، مما جعل الفساد يتغلغل في مفاصل الإدارة والاقتصاد والسياسة، ما جعل محاربة الفساد تصبح شعاراً متكرراً في خطابات الحكومات المتعاقبة، لكنها في الواقع معركة صعبة تتطلب إرادة سياسية حقيقية وإصلاحات جذرية.
الفساد في العراق يتخذ أشكالاً متعددة، من الرشوة والاختلاس إلى المحسوبية وتوزيع المناصب على أساس الولاءات الحزبية والطائفية، مما أدى بهذه الممارسات إلى هدر مليارات الدولارات من المال العام، وأضعفت ثقة المواطن بالدولة، وأعاقت التنمية الاقتصادية والاجتماعية. المواطن العراقي يرى أن الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والتعليم والصحة تعاني من تراجع مستمر رغم الثروات النفطية الهائلة، والسبب الرئيس هو الفساد وسوء الإدارة،لذلك فإن محاربة الفساد ليست قضية أخلاقية فحسب، بل هي شرط لبقاء الدولة واستقرارها.
النجاح في مواجهة الفساد يتطلب أولاً بناء مؤسسات قضائية مستقلة وقوية قادرة على محاسبة كبار المسؤولين قبل صغار الموظفين،فالتجارب السابقة أثبتت أن التركيز على الموظفين الصغار دون المساس بالقيادات السياسية والحزبية لا يؤدي إلى نتائج ملموسة كما أن وجود هيئات رقابية مثل هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية مهم، لكن فعاليتها تبقى محدودة إذا لم تحظَ بدعم سياسي كامل وحماية من التدخلات السياسية ،فالإصلاح الحقيقي يبدأ من القمة، أي من إرادة القيادة السياسية في مواجهة الفساد حتى لو كان ذلك على حساب مصالحها الحزبية.
العامل الثاني هو تعزيز الشفافية في إدارة الموارد المالية للدولة، خصوصاً الإيرادات النفطية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد العراقي،فغياب الشفافية في العقود النفطية والمشاريع الاستثمارية يفتح الباب واسعاً أمام الفساد لذلك فإن نشر تفاصيل العقود والموازنات وإشراك المجتمع المدني والإعلام في الرقابة يعد خطوة أساسية، كما أن تفعيل قوانين "من أين لك هذا" وتطبيقها على المسؤولين يمكن أن يحد من ظاهرة الإثراء غير المشروع.
العامل الثالث يتعلق بدور المجتمع نفسه،فالمجتمع العراقي يعاني من ثقافة سائدة تعتبر الفساد أمراً طبيعياً أو وسيلة للحصول على الحقوق في ظل بيروقراطية معقدة،فان عملية تغيير هذه الثقافة يحتاج إلى حملات توعية طويلة الأمد، وإلى تعزيز قيم المواطنة والعدالة، كما أن الإعلام الحر ومنظمات المجتمع المدني يمكن أن يلعبوا دوراً محورياً في فضح الفساد والضغط على السلطات لاتخاذ إجراءات جدية، ولكن هذا الدور يتطلب حماية قانونية تضمن حرية التعبير وعدم ملاحقة الناشطين والصحفيين.
يبقى السؤال الأهم.. هل ستنجح محاولات محاربة الفساد في العراق؟
الإجابة ليست سهلة،فالعراق يواجه تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة، والفساد جزء من هذه المنظومة، وان نجاح الإصلاح يتوقف على مدى استعداد القوى السياسية للتخلي عن مصالحها الضيقة لصالح بناء دولة قوية، فإذا ما استمرت المحاصصة الطائفية والحزبية في توزيع المناصب والموارد، فإن الفساد سيبقى قائماً مهما كانت الشعارات،وأما إذا توفرت إرادة حقيقية لإصلاح النظام السياسي والاقتصادي، فإن العراق يمتلك الإمكانات البشرية والمالية التي تؤهله للنجاح.
في النهاية يمكن القول إن محاربة الفساد في العراق ليست مهمة مستحيلة لكنها معركة طويلة ومعقدة،فالنجاح يتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع معاً، وإرادة سياسية صلبة لا تساوم على مصالح الشعب،فالعراق بلد غني بثرواته وتاريخه، لكن هذه الثروة لن تتحول إلى تنمية واستقرار إلا إذا تم القضاء على الفساد الذي ينهش جسد الدولة، وان المستقبل سيكشف إن كانت القيادات العراقية ستختار طريق الإصلاح الحقيقي أم ستبقى أسيرة مصالحها الضيقة، لكن المؤكد أن الشعب العراقي لن يتوقف عن المطالبة بالعدالة والشفافية مهما طال الزمن.
إرسال تعليق