
ناجي الغزي
ليست كل الصولات عسكرية، فهناك صولات أشد وقعاً من هدير الدبابات، لأنها تستهدف العدو الذي عاش بين الناس مرتدياً ثياب الدولة، ينهب باسم القانون، ويتخفى خلف النفوذ، ويحوّل مؤسسات الوطن إلى مزارع خاصة.
إذا كانت الأخبار المتداولة عن قيادة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي شخصياً لأكبر حملة مداهمة واعتقال تستهدف شبكات الفساد داخل المنطقة الخضراء تمثل بداية مرحلة جديدة، فإن العراق يقف أمام لحظة تاريخية فاصلة، لحظة يختبر فيها الجميع صدق الدولة قبل قوة السلطة.
لقد خاض العراق طوال السنوات الماضية حرباً طويلة مع الإرهاب، لكنه كان يخوض في الوقت نفسه حرباً أشد قسوة مع الإرهاب المالي والإداري. فالرصاصة تقتل إنساناً، أما الفساد فيقتل وطناً بأكمله. سنوات طويلة تمددت فيها شبكات الفساد حتى أصبحت أكثر جرأة من القانون، وأكثر نفوذاً من المؤسسات، وأغنى من خزينة الدولة نفسها. نهبت الأموال العامة، وعطلت المشاريع، وأفقدت الشباب فرص العمل، وأدخلت الاقتصاد في دوامة من الهدر، حتى أصبحت الديمقراطية نفسها موضع اتهام لأنها عجزت عن حماية المال العام ومعاقبة العابثين به. تلك كانت جولة الباطل... جولةٌ لم يكن ضحاياها مجرد أرقام في تقارير الرقابة، بل ملايين العراقيين الذين دفعوا ثمن الفساد من أعمارهم، ومن أحلامهم، ومن مستقبل أبنائهم.
واليوم، إذا كانت الدولة قد قررت أن تفتح هذا الملف بلا استثناء، فإنها لا تبدأ معركة ضد أشخاص، بل ضد ثقافة كاملة جعلت من السرقة امتيازاً، ومن الإفلات من العقاب قاعدة، ومن النفوذ حصناً يحتمي به الفاسدون.
إن أي صولة حقيقية على الفساد لا يمكن أن تنجح إلا إذا التقت فيها *الإرادة التنفيذية مع العدالة القضائية*. فالدولة لا تستقيم بالقرارات وحدها، كما لا يكتمل العدل بالشعارات. *وعندما تتحرك الحكومة، ويساندها القضاء في إطار القانون*، يصبح الأمل باستعادة هيبة الدولة أقرب إلى الواقع.
لكن هذه المعركة ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل، إنها معركة مجتمع بأكمله.
فكل مواطن يرفض الرشوة، وكل موظف يحمي المال العام، وكل إعلامي يكشف ملفات الفساد، وكل قاضٍ ينصف المظلوم، وكل جهاز رقابي يؤدي واجبه بإخلاص، هو شريك في هذه الصولة الوطنية.
إن العراق لا يحتاج إلى الانتقام، بل إلى العدالة.
ولا يحتاج إلى تصفية الحسابات، بل إلى استعادة الحقوق. ولا يحتاج إلى الشعارات، بل إلى استرجاع الأموال المنهوبة، ومحاسبة كل من خان الأمانة، وتعويض المواطنين عن سنوات الحرمان التي صنعتها شبكات الفساد.
إن الفساد لم يسرق أموال العراقيين فقط، بل سرق ثقتهم بالدولة، وأضعف مؤسساتها، وأخر نهضتها لعقود. ولذلك فإن استعادة تلك الثقة ستكون الإنجاز الأكبر إذا أثبتت هذه الإجراءات أنها لا تستثني أحداً، ولا تخضع لضغوط أو مساومات.
لقد اقتربت ساعة الامتحان.
فإما أن تثبت الدولة أن القانون أقوى من النفوذ، وإما أن يعود الفساد أكثر شراسة مما كان.
ويبقى الأمل أن تكون هذه الصولة بداية عهد جديد، يُعاد فيه بناء العراق على أساس النزاهة والكفاءة وسيادة القانون، ليعود المال العام إلى أصحابه الحقيقيين، ويستعيد المواطن حقه في دولة عادلة، قوية، تحمي أبناءها قبل أن تحاسبهم.
وعندها فقط... لن يكون المنتصر شخصاً أو حكومة، بل سيكون المنتصر هو العراق.
إرسال تعليق