
ناجي الغزي/كاتب سياسي
لم يعد الفساد في العراق مجرد جرائم رشوة أو اختلاس أو استغلال نفوذ، بل تطور خلال العقدين الماضيين إلى منظومة موازية للدولة، تمتلك اقتصادها الخاص، وشبكاتها المالية، وأذرعها الإدارية، وحصاناتها السياسية والإعلامية، حتى أصبحت في كثير من الأحيان قادرة على التأثير في القرار الحكومي نفسه. وما يجري اليوم من تحركات حكومية ضد بعض كبار المتهمين بالفساد لا يمثل مجرد حملة اعتقالات، بل بداية مواجهة مع دولة ظلّ تشكلت داخل مؤسسات الدولة الرسمية.
لقد أثارت التطورات الأخيرة، وما رافقها من الكشف عن ملفات كبيرة في قطاع النفط، وإعادة فتح ملفات العقود والاستثمارات، والحديث عن استرداد أموال وعقارات، سؤالاً استراتيجياً أكثر أهمية من أسماء المتهمين أنفسهم: هل دخل العراق فعلاً مرحلة تفكيك شبكات الفساد، أم أنه ما زال يلاحق أفراداً داخل منظومة ما تزال قائمة؟
*الفساد ليس أفراداً... بل منظومة حكم*
أخطر ما كشفته الاحداث الاخيرة هي: أن المشكلة لا تكمن في موظف مرتشٍ أو مدير عام أو وكيل وزارة، وإنما في وجود منظومة متكاملة تنتج الفساد بصورة مستمرة. هذه المنظومة تتكون من حلقات مترابطة: بمسؤول إداري يوقع العقد، وشركة واجهة تنفذ الصفقة، ومصرف يغطي حركة الأموال، وشبكة مالية لتهريب العملة، وغطاء سياسي يمنع المحاسبة، وماكينة إعلامية لتشويه أي جهة تحاول الاقتراب من الملف، ونفوذ داخل بعض مفاصل الدولة يعطل إجراءات الرقابة والتحقيق.
ولهذا فإن اعتقال شخص واحد، مهما كان موقعه، لا يعني بالضرورة انهيار الشبكة التي صنعته.
*لماذا تبدو معركة الزيدي مختلفة؟*
الاختلاف لا يكمن في عدد أوامر القبض، بل في طبيعة الأدوات التي بدأت الحكومة تستخدمها.
فبدلاً من انتظار وقوع الجريمة ثم ملاحقة مرتكبيها، بدأ الحديث عن مراجعة العقود السابقة، وإيقاف بعض المشاريع المشوبة بالشبهات، وإعادة تدقيق كلف المشاريع، ومراقبة العقود قبل تنفيذها، وإنشاء آليات عليا للتنسيق بين الأجهزة الرقابية.
وهذا التحول يمثل انتقالاً من "*الرقابة اللاحقة إلى الرقابة الوقائية*"، وهو ما يعرف عالمياً باستراتيجية "تجفيف منابع الفساد" بدلاً من الاكتفاء بملاحقة نتائجه.
*الدولة في مواجهة اللادولة*
لعل الوصف الأدق لما يجري اليوم هو أن الدولة الرسمية لا تواجه أفراداً، بل تواجه دولة موازية.
هذه الدولة تمتلك: موارد مالية هائلة، وقدرة على شراء الولاءات، ونفوذاً داخل المؤسسات، وأدوات ضغط سياسية، وامتدادات اقتصادية واستثمارية، وعلاقات خارجية، وقدرة على تعبئة الرأي العام عندما تشعر بالخطر.
ولهذا فإن المواجهة لا يمكن أن تُحسم بقرار إداري أو حملة إعلامية، بل تحتاج إلى مشروع دولة كامل.
*أين يكمن الفساد الحقيقي؟*
كثير من الخبراء يرون أن أخطر بؤر الفساد ليست الرشاوى الصغيرة، وإنما الملفات الكبرى التي ابتلعت مئات المليارات، ومنها: تضخم كلف المشاريع، والعقود الحكومية المعدلة بعد الإحالة، والاستثمارات التي مُنحت بشروط غير عادلة، وتهريب العملة، واستغلال الأراضي والعقارات العامة، وتهريب الموارد الطبيعية، والمنافذ الحدودية، والعقود النفطية.
هذه الملفات هي التي صنعت الثروات العملاقة، وهي التي يجب أن تشكل مركز الجهد الحكومي إذا كانت المعركة تستهدف البنية الحقيقية للفساد لا مظاهره فقط.
*الخطر الحقيقي ليس الفاسدين... بل مقاومة الإصلاح*
كلما اقتربت الحكومة من مراكز النفوذ، ازدادت أدوات المقاومة. وليس من المستبعد أن تظهر خلال المرحلة المقبلة محاولات لإعادة توصيف المواجهة على أنها: استهداف سياسي، أو تصفية حسابات، أو استهداف لمكون اجتماعي، أو صراع انتخابي.
وهنا يكمن الامتحان الأصعب، فشبكات الفساد لا تدافع عن نفسها بالوسائل القانونية فقط، بل تستخدم المال والإعلام والعلاقات والنفوذ لإرباك أي مشروع إصلاحي.
*القضاء... الضلع الحاسم*
أي معركة ضد الفساد لا يمكن أن تنجح دون وجود قضاء مستقل وقوي. فالأجهزة التنفيذية تستطيع جمع الأدلة، والرقابة تستطيع كشف المخالفات، لكن القضاء وحده هو الذي يحول تلك الجهود إلى أحكام تستعيد المال العام وتردع الفاسدين.
ولهذا فإن التنسيق بين الحكومة التنفيذية والسلطة القضائية وهيئة النزاهة يمثل اليوم الركيزة الأساسية لاستمرار هذا المسار.
*المعركة الاقتصادية قبل أن تكون قانونية*
إن استرداد الأموال لا يقتصر على إعادة ما سُرق، بل ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في: تمويل المشاريع، وتقليل الحاجة إلى الاقتراض، ودعم الموازنة، وتعزيز ثقة المستثمرين، وتحسين التصنيف المالي للعراق، وتقليص الاقتصاد الموازي. بمعنى آخر، فإن مكافحة الفساد أصبحت سياسة اقتصادية بقدر ما هي سياسة قانونية.
*الطريق ما يزال في بدايته*
النجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد المعتقلين، ولا بحجم الأموال المضبوطة، بل بالإجابة عن سؤال واحد:
هل ستتغير البيئة التي أنتجت الفساد؟
إذا بقيت القوانين نفسها، وآليات التعيين نفسها، وثغرات العقود نفسها، فإن الشبكات ستعيد إنتاج نفسها بأسماء جديدة.
أما إذا نجحت الحكومة في بناء مؤسسات قوية، وتعزيز الشفافية، وإغلاق منافذ الفساد، وتفعيل الرقابة الوقائية، وترسيخ سيادة القانون، فإن العراق سيكون أمام نقطة تحول تاريخية في بناء الدولة.
إن حكومة علي الزيدي لا تواجه مجرد ملفات فساد، بل تواجه إرثاً عمره أكثر من عقدين، تشكلت خلاله منظومات مالية وإدارية وسياسية معقدة أصبحت جزءاً من بنية الدولة نفسها. ولهذا فإن معركة تفكيك شبكات الفساد ليست حملة أمنية مؤقتة، وإنما مشروع وطني طويل الأمد، يحتاج إلى إرادة سياسية ثابتة، وقضاء مستقل، ورقابة محترفة، ودعم شعبي واسع.
فإذا نجح هذا المشروع، فلن يكون الإنجاز اعتقال عدد من الفاسدين، بل استعادة الدولة من قبضة الدولة الموازية، وهي معركة قد تكون الأصعب منذ عام 2003، لكنها أيضاً قد تكون الأكثر حسماً في رسم مستقبل العراق.
إرسال تعليق