عاجل
جاري تحميل الأخبار...

​حين تتحول التفاهمات السياسية إلى بديلٍ عن الدستور !!


 قاسم سلمان العبودي 

منذ أن جرى تكريس تسمية “الإطار التنسيقي” بوصفه الكتلة الأكبر، أخذ هذا العنوان يتوسع سياسياً ليمنح نفسه صلاحيات تتجاوز حدود التمثيل النيابي، وصولاً إلى تقديم نفسه باعتباره الممثل الأوسع لـ“البيت الشيعي” داخل العملية السياسية. غير أن هذا التوسع لم يبقَ في حدود التفاهمات السياسية، بل بدأ يتجاوز الأطر الدستورية والقانونية، ليصبح عقدة حقيقية أمام تشكيل الحكومات وإدارة الدولة.

فالدستور العراقي لم يمنح أي تحالف سياسي حق فرض الشروط على رئيس الوزراء المكلّف، كما لا يوجد نص قانوني يجيز إرغام أي مكلّف على توقيع تعهدات تمنعه من الترشح لولاية ثانية أو تقيّد صلاحياته المستقبلية. لكن ما يجري فعلياً هو إدارة الدولة وفق تفاهمات وضغوط تمارسها قيادات الكتل السياسية على نوابها، لتمرير هذا المرشح ومنع ذاك، بعيداً عن روح الدستور ومفهوم التداول الديمقراطي للسلطة.

والمشكلة لا تتعلق بطرف واحد فقط؛ إذ إن كثيراً من القوى السياسية، شيعية كانت أم سنية أم كردية، باتت تمارس النهج ذاته في إدارة المشهد السياسي، عبر المحاصصة والاشتراطات والضغوط غير الدستورية. وهو ما أدى إلى إرباك موازين القوى السياسية وإضعاف مؤسسات الدولة، فيما يبقى الشعب العراقي الخاسر الأكبر من هذه المعادلة المعقدة.

إن فرض أسماء محددة لرئاسة الحكومة أو لهيئات المستشارين، إلى جانب الإصرار على احتكار بعض الوزارات السيادية، يمثل مؤشراً خطيراً على فشل وطني في احترام إرادة الناخب العراقي. فالشعب الذي خرج إلى صناديق الاقتراع وشارك بنسبة كبيرة، في مشهد ديمقراطي يستحق التقدير، لا يمكن التعامل مع صوته وكأنه مجرد تفصيل يمكن الالتفاف عليه عبر الصفقات السياسية المغلقة.

إن استمرار إدارة العملية السياسية بهذه الطريقة يهدد بفقدان الثقة بالنظام الديمقراطي برمّته، ويفتح الباب أمام عودة النزعات الشمولية التي دفع العراقيون ثمناً باهظاً للتخلص منها. فالديمقراطية لا تُختزل بصناديق الاقتراع فقط، بل تُقاس أيضاً بمدى احترام الدستور والمؤسسات وإرادة الناس بعد انتهاء الانتخابات.

وفي المقابل، تبدو فكرة “الحاكمية الشيعية” اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس فقط لدى النخب السياسية والفكرية، بل حتى داخل الشارع الشيعي نفسه. فنتيجة سوء الإدارة وتغليب المصالح الاقتصادية والحزبية والمغانم السياسية، بدأت هذه الفكرة تفقد الكثير من مشروعيتها الشعبية، بعدما تحولت ــ بنظر كثيرين ــ إلى غطاء لتقاسم النفوذ لا إلى مشروع لبناء الدولة.

إن النقد هنا لا يستهدف المكوّن أو هويته السياسية، بقدر ما يستهدف سوء الإدارة والانحراف عن مبادئ الدولة والعدالة والشراكة الوطنية. فبقاء أي تجربة سياسية مرهون بقدرتها على خدمة الناس، لا بقدرتها على حماية مصالح النخب المتنفذة .

تعليق

أحدث أقدم