عاجل
جاري تحميل الأخبار...

​تشكيل الحكومة العراقية ...دراسة في ديناميات التوافق السياسي العراقي.


محمد حسن الساعدي 

أن مراحل تشكيل حكومة السيد علي الزيدي لم تكن مجرد استحقاق دستوري، بل كان مساراً سياسياً معقداً عكس طبيعة النظام العراقي القائم على التوافقات والمحاصصة،فمنذ لحظة تكليفه من قبل الرئيس نزار آميدي في أواخر نيسان الماضي، بدا واضحاً أن الزيدي يمثل خياراً وسطياً بعد انسحاب أسماء بارزة مثل نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، وهو ما جعله مرشح تسوية مقبولاً داخلياً وخارجياً، فخلفيته كرجل أعمال بخبرة مالية وقانونية منحته صورة مختلفة عن السياسيين التقليديين، لكنها في الوقت نفسه طرحت تساؤلات حول قدرته على إدارة شبكة المصالح المتشابكة في الدولة.

المرحلة الأولى من التشكيل تمثلت في تثبيت التوافق داخل البيت الشيعي، حيث كان على الزيدي أن يضمن وحدة موقف الإطار التنسيقي الذي رشحه،وهذه الخطوة كانت ضرورية لتأمين قاعدة برلمانية صلبة، قبل أن يتجه إلى القوى السنية والكردية، إذ في هذه المرحلة برزت ملفات حساسة مثل توزيع المناصب، الموازنة العامة، وصلاحيات إقليم كردستان، وهي قضايا اعتادت أن تكون نقاط خلاف مزمنة بين بغداد وأربيل، وهنا الزيدي يحاول أن يقدم نفسه كوسيط قادر على بناء جسور تفاهم، لكن طبيعة النظام القائم على المحاصصة جعلت كل طرف يطالب بحصته من السلطة.

المرحلة الثانية اتسمت بالجدل حول المناصب العليا، حيث طُرحت فكرة استحداث أربعة نواب لرئيس الوزراء موزعين على المكونات الرئيسة. هذه الصيغة أعادت إلى الأذهان تجربة الحكومات السابقة التي توسعت في المناصب على حساب الكفاءة، وأثارت مخاوف من ترهل إداري جديد. الزيدي حاول تقليص هذه المناصب والاكتفاء بنواب رئيس الجمهورية، في محاولة لإظهار توجه إصلاحي يحد من تضخم الجهاز التنفيذي، لكنه واجه ضغوطاً من الكتل التي رأت في هذه المناصب ضمانة لمصالحها.

في المرحلة الثالثة دخلت العوامل الخارجية على الخط،فالولايات المتحدة رحبت بتكليف الزيدي لكنها وضعت شروطاً واضحة، أبرزها أن تكون الحكومة خالية من نفوذ الفصائل المسلحة المقربة من إيران، إذ أن هذا الشرط مثّل تحدياً كبيراً، وأن هذه الفصائل تمثل جزء من المشهد السياسي والعسكري العراقي، وإقصاؤها قد يثير أزمة داخلية، وهنا الزيدي وجد نفسه أمام معادلة صعبة،وهي إرضاء واشنطن ما يعني خسارة دعم قوى نافذة في الداخل، بينما تجاهل المطالب الأميركية قد يعرّض حكومته لضغوط دولية وعزلة، خصوصاً وأن هذه الموازنة بين الداخل والخارج شكّلت واحدة من أعقد مراحل التشكيل.

المرحلة الرابعة ارتبطت بالبرنامج الحكومي الذي أعلن عنه الزيدي، حيث ركز على التنمية الاقتصادية،وتمكين الشباب، والإصلاح المؤسسي، الا أن بعض المراقبين اعتبروا أن النظام السياسي القائم على المحاصصة سيحول أي رئيس وزراء إلى مجرد مدير لتقاسم الغنائم، ما يحد من قدرته على إحداث تغيير جذري، إضافة الى ان التحديات الكبرى أمامه شملت ضبط السلاح خارج إطار الدولة، ومعالجة أزمة الكهرباء والدولار، وإعادة هيبة الدولة على الحدود،وهذه الملفات ليست جديدة، لكنها تمثل اختباراً حقيقياً لأي حكومة عراقية، خصوصاً في ظل الضغوط الشعبية المتزايدة.

في المحصلة، يمكن القول إن مراحل تشكيل حكومة علي الزيدي جسدت ثلاثية التحديات العراقية، التوافق الداخلي المعقد بين المكونات،والاشتراطات الخارجية التي فرضتها واشنطن، والقيود البنيوية للنظام السياسي القائم على المحاصصة،فالزيدي لم يكن خياراً قوياً بقدر ما كان حلقة وسطية بين أطراف متناقضة، ما يجعل نجاحه مرهوناً بقدرته على تحقيق توازن شبه مستحيل بين الداخل والخارج، وان تشكيل حكومته لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل اختبار لإمكانية العراق الخروج من دوامة العشوائية نحو دولة مؤسسات، وهو اختبار ستكشفه الأشهر والسنوات التالية.

تعليق

أحدث أقدم