العربية
English
کوردی
عاجل
جاري تحميل الأخبار...

​العراق بين إدارة الظل ومستنقع القرار !!


د.احمد الاعرجي

منذ 2003 والعراق يعيش داخل دائرة مغلقة لا تكاد تتغير ملامحها سلطة تُصنع في الغرف لا في صناديق الإرادة الوطنية وحدها ومسؤول يصل إلى موقعه عبر شبكة معقدة من الأحزاب النفوذ والدعم الخارجي لا عبر مشروع دولة واضح ومحاسبة حقيقية .  وهكذا تحوّل القرار العراقي إلى مساحة تتداخل فيها الأيادي أكثر مما تتجلى فيها العقول الوطنية المستقلة .

في قلب هذه المنظومة تتحرك طبقة “المقربين” أولئك الذين يحيطون بالمسؤول ويشكلون ذاكرته السياسية اليومية . 

هؤلاء ليسوا مجرد مستشارين أو ناقلي معلومات بل هم بوابة الفلترة الأولى لكل فكرة .  لكن الخطر الحقيقي أن كثيراً من هذه الدوائر لا تحمل فكراً ناضجاً بل تعكس مصالح ضيقة قراءات مشوهة أو ولاءات حزبية وشخصية . وهكذا لا يصل إلى رأس القرار إلا ما تمّت “تربيته” داخل بيئة مغلقة تُعيد إنتاج ذاتها باستمرار .

الأخطر من ذلك أن بعض مراكز النفوذ الخارجية تتعامل مع العراق كملف مفتوح لا كدولة مستقلة .

تُدعم أطرافاً تُضعف أخرى وتعيد رسم توازنات السلطة بما يخدم مصالحها، بينما يبقى القرار الداخلي رهينة لهذا التشابك . ووفي ظل هذا الواقع يصبح المسؤول في كثير من الأحيان محاصراً بين إرادات متعددة فيفقد استقلاليته حتى لو امتلك النية.

الأحزاب التي كان يفترض أن تكون أدوات تنظيم سياسي تحولت إلى كيانات فوق الدولة .

تُقدّم الولاء على الكفاءة والمصلحة على المبدأ وتُعيد توزيع المناصب كغنائم لا كمسؤوليات .

أما الدولة نفسها فتصبح مجرد واجهة تُدار من الخلف بينما تُحسم القرارات الحقيقية خارج مؤسساتها الرسمية .

في هذه الفوضى المنظمة يدفع الشعب الثمن وحده . 

خدمات متدهورة فرص ضائعة وثقة منهارة بين المواطن والدولة.  والأسوأ أن هذا المشهد لم يعد استثناءً بل أصبح نمطاً ثابتاً يُعاد إنتاجه كل دورة سياسية وكأن العراق محكوم عليه أن يدور في نفس الحلقة دون كسرها . إن ما يحدث ليس أزمة أفراد فقط بل أزمة نظام يُعاد تشكيله كل مرة بالآليات نفسها التي أنتجت الفشل . 

لذلك فإن السؤال لم يعد عاطفياً أو خطابياً: هل سيتحرر العراق؟  بل أصبح سؤالاً عملياً قاسياً هل يمكن تفكيك هذه الشبكة التي تسيطر على القرار أم أن المستنقع أصبح أعمق من أن يُجتث؟ العراق اليوم لا يحتاج خطابات تجميلية بل صدمة وعي حقيقية تعترف بأن الدولة تُدار في جزء كبير منها خارج إطارها الطبيعي .  وبدون كسر هذا النمط ستبقى كل التغييرات مجرد إعادة تدوير لذات الأزمة بأسماء مختلفة ووجوه جديدة لكن بالنتيجة نفسها .

تعليق

أحدث أقدم

Disqus Shortname

sigma-2

ارسل لنا تعليق

[blogger][disqus][facebook]