
د . احمد الاعرجي
منذ عقود طويلة لم تُبنَ أغلب الحركات والتيارات في العراق على أساس المبدأ الراسخ أو المشروع الفكري العميق بل بُنيت على حضور الشخص وهيبته وكاريزمته وقدرته على التأثير الجماهيري . ولهذا السبب كانت كثير من الأحزاب والحركات ترتفع بقوة مع صعود القائد ثم تبدأ بالتفكك والانهيار فور غيابه سواء بالموت أو الاغتيال أو التراجع السياسي . إن البناء على الأشخاص يجعل الكيان هشًّا مهما بدا قوياً لأن القوة الحقيقية لا تُقاس ببريق الأسماء بل بقدرة الفكرة على البقاء والاستمرار عبر الزمن . لقد امتلك بعض القادة في العراق طاقة استثنائية وحضوراً فكرياً وروحياً مكّنهم من السيطرة على المشهد لسنوات طويلة وكانوا يمتلكون مهارة التخطيط والتدبير وقراءة الواقع بذكاء . لكن المشكلة أن الأتباع اعتادوا تقديس الشخص بدل تطوير المنهج فصار الولاء مرتبطاً بالأسماء لا بالمبادئ !! ولهذا كلما غاب القائد دخلت الحركة او الحزب او المؤسسة في صراعات داخلية وانقسامات لأن الرابط الحقيقي لم يكن مشروعاً وطنياً أو فكرياً ، بل ظل قائماً على النفوذ الشخصي والعاطفة الجماهيرية .
العراق اليوم يقف أمام مرحلة حساسة جداً فالعالم يتغير بسرعة ، والمنطقة بأكملها تدخل في تحولات سياسية واقتصادية وفكرية عميقة .
وفي المقابل ما زالت كثير من القوى العراقية تُدار بعقلية قديمة تعتمد على ردود الأفعال لا على التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد .
وهذا ما يجعل بعض الحركات تبدو قوية ظاهرياً لكنها في الحقيقة تعيش حالة استنزاف داخلي قد يؤدي إلى انهيار مفاجئ في أي لحظة . إن نهاية أي حركة تبدأ غالباً من داخلها حين يتحول القرار إلى احتكار ، ويُقصى أصحاب الفكر والعصف الذهني بيد النكرة في المجتمع ويُقدَّم أصحاب المصالح والمجاملات على أصحاب الكفاءة !! وعندما تُغلق أبواب النقد والمراجعة تبدأ الشيخوخة السياسية حتى وإن بدا المشهد مستقراً من الخارج . أما الصعود الحقيقي فيبدأ من بناء عقل جماعي ومؤسسات قائمة على الفكر وإعداد جيل يؤمن بالمشروع أكثر من الأشخاص . العراق ليس بلداً فقيراً بالطاقات بل هو بلد أُنهك بسبب سوء الإدارة الفكرية والسياسية . وما زالت أمامه فرصة للنهوض إذا أدرك أبناؤه أن المستقبل لا يُصنع بالخطب والشعارات بل بالعقول التي تخطط والقيادات التي تؤمن بالدولة لا بالمصالح الضيقة . ولهذا فإن السنوات القادمة لن تكون عادية بل ستكون مرحلة فرز حقيقي بين من يعيش على أمجاد الماضي ومن يمتلك القدرة على صناعة المستقبل . ومن لا يقرأ التحولات القادمة بعقلٍ استراتيجي وينظر لمن سبقه من القادة والشعوب الى اين وصل بهم الزمن ، فقد يجد نفسه خارج التاريخ مهما ظن أن نفوذه دائم أو أن جماهيره باقية إلى الأبد .
أحسنتم سيدنا
ردحذفإرسال تعليق