
إيـــاد الإمـــارة
لم تكن حملات التبرع التي شهدها العراق في دعم الشعبين الإيراني واللبناني فعلاً عابراً أو اندفاعاً عاطفياً مؤقتاً، بل جاءت بوصفها استجابة إنسانية صادقة، وتعبيراً حقيقياً عن وعي شعبي متجذر يستلهم قيمه من نداء المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، لا من دعوات سياسية متأخرة ومكشوفة الأهداف ..
لقد أثبت الجمهور العراقي، مرةً أخرى، أنه أكثر نضجاً من أن يُـقاد بخطابات استهلاكية تحاول بعض الأطراف السياسية من خلالها إعادة تدوير نفسها، بعد أن فقدت رصيدها الشعبي والأخلاقي ..
فهذه الجماهير التي لبّـت نداء الواجب الإنساني، لم تنتظر توجيهاً من حزب أو تصريحاً من زعيم، بل تحركت وفق بوصلة أخلاقية واضحة، عنوانها نصرة المظلوم وإغاثة المحتاج.
إن ما جرى يكشف بوضوح الفارق بين مَـن يتحرك بدافع القيم، ومَـن يسعى لركوب الموجة في لحظاتها الأخيرة .. فبعض القوى السياسية العراقية، التي اعتادت أن تتأخر عن الفعل الحقيقي، حاولت هذه المرة أن تلتحق بالمشهد عبر دعوات مرتبكة، ظناً منها أن بإمكانها استثمار اندفاعة الشارع لصالحها ..
لكنها فوجئت بأن الشارع نفسه بات أكثر وعياً، وأكثر قدرة على التمييز بين الصدق والتوظيف.
هذا الوعي الشعبي العراقي لم يعد يقبل محاولات الالتفاف أو التسويق السياسي الرخيص، ولم يعد يمنح ثقته بسهولة لمَـن فقدها مراراً ..
بل إنه يراقب، ويحلل، ويُـصدر حكمه:
- بصمت أحياناً ..
- وبمواقف واضحة أحياناً أخرى ..
واضعاً حداً لكل مَـن يحاول استغفال إرادته ..
إن الرسالة التي يبعثها الشارع العراقي اليوم واضحة:
لا وصاية بعد الآن، ولا قدرة لأي جهة على احتكار الموقف أو مصادرته ..
فالمبادرة الشعبية أصبحت أقوى من الحسابات الحزبية، والوعي الجمعي بات عصياً على التلاعب ..
ويمكن القول بثقة:
إن مَـن يظن أن بإمكانه العودة إلى الواجهة عبر بوابة الأزمات، متكئاً على معاناة الآخرين، إنما يراهن على "جهل" لم يكن ولم يعد موجوداً ..
الجمهور قال كلمته، وبصوتٍ واضح:
"لعبتكم انتهت".
إرسال تعليق