
|إيـــاد الإمـــارة
ليس أخطرَ ما فعلتْـهُ طبقتُـنا السياسيةُ -بعضها- بالعراقِ أنها:
- فشلتْ في بناءِ دولةٍ عادلةٍ ..
- أو إدارةِ ثروةٍ هائلةٍ ..
- فالفشلُ في حدِّ ذاتهِ قد يقعُ فيهِ كثيرٌ من الحكومات.
لكنَّ الأخطرَ من ذلك كلِّـه أنَّ بعضَ هذه الطبقةَ السياسيةَ الرخيصة -التي جاءتْ بها الصُّـدفُ تارةً والإراداتُ الخارجيةُ تارةً أخرى- قد:
- أفسدتْ ميزانَ القيمِ في المجتمع العراقي.
- وميَّـعتْ المعاني العظيمة التي كان العراقيون يعتزّون بها عبر تاريخهم.
لقد عبثتْ هذه الطبقةُ بقيمِ:
التضحيةِ والفداءِ والصبرِ والتحمّـل ..
تلك القيم التي كانت في زمنٍ قريبٍ وقودَ النضالِ ومصدرَ الكرامةِ وعنوانَ الشرف .. قيمٌ كان الناسُ يرون فيها الطريقَ نحو الحريةِ والعزّةِ والعدالة، فإذا بها اليوم تُـداسُ تحت أقدامِ بعض السياسيين الذين جعلوا من المصالحِ الشخصيةِ بديلاً عن المبادئ، ومن الامتيازاتِ الخاصةِ بديلاً عن الكرامة.
لقد حوّلت بعض هذه الطبقةُ السياسيةُ شريحةً واسعةً من العراقيين -بفعل خطابها وممارساتها ونموذجها الفاسد- إلى:
لاهثين خلف المكاسبِ الصغيرةِ والملذّاتِ السطحية بطريقةٍ مقرفةٍ تثير الأسى!
صار الهمُّ الأكبر عند كثيرين:
أن يأكلَ أكثر ..
ويلبسَ أفضل ..
ويشتري سيارةً أفخم ..
ويعيشَ حياةً مترفةً بأيِّ ثمن ..
ولو كان الثمنُ هو القيمُ والأخلاقُ والرجولةُ وحتى الدين.
في الوقت الذي كان فيه تاريخُ العراق القريبُ يمتلئُ بصورٍ مشرّفةٍ لرجالٍ تحمّـلوا أقسى الظروف من أجل المبادئ -من الإسلاميين، والشيوعيين، وسائر المناضلين- أولئك الذين صبروا على السجون والمطاردات والحرمان لأنهم كانوا يؤمنون بقضيةٍ أكبر من ذواتهم ..
لا نكادُ اليوم نجد في طبقتنا السياسية مَـن يتحدث عن القيم إلا بقدر ما تخدم امتيازاته، ولا مَـن يدافع عن المبادئ إلا إذا ضمنت له منصباً أو نفوذاً أو صفقةً جديدة.
لقد تحوّل الخطابُ السياسيُّ في العراق إلى خطابٍ نفعيٍّ باردٍ لا يعرفُ معنى التضحية، ولا يفهمُ معنى الكرامة!
بل وصل الأمرُ إلى أن نسمع -بوضوحٍ وصراحة- مَـن يروّج لفكرةٍ خطيرةٍ تقول:
نحن نريد أن نعيش "فقط"!
نعيش ولو أذلاء ..
نعيش بلا كرامة ..
نعيش بلا دين ..
نعيش عبيداً لأمريكا أو لغيرها ..
المهم أن نعيش ..
الراتب ..
الامتياز ..
السيارة الفارهة ..
المنصب ..
هذه -في منطق هذا الانحدار - أهمُّ من الحرية، وأغلى من الكرامة، وأبقى من المبادئ!
لكن هذا المنطق ليس جديداً في التاريخ ..
إنه المنطق ذاته الذي حكم عقلية عمر بن سعد "لعنه الله" وهو يقف في معسكر عداوة الإمام الحسين "عليه السلام" .. كان اللعين يعرف الحق، لكنه اختار الدنيا ..
وكان يدرك قيمة الموقف، لكنه فضّـل الملك والمال والسلطة ..
وهكذا يتكرر المشهد في كل زمان:
فريقٌ يختار الكرامة ولو كان ثمنها الدم،
وفريقٌ يختار العيشَ ولو كان ثمنه الذل.
والأمم لا تسقط حين تضعف إمكاناتها، بل حين يفسد ميزانُ القيم فيها، وحين يتحول البقاءُ -بأي ثمن- إلى أعلى غاياتها .. وهنا تكمن الكارثة التي صنعتها بعضُ طبقتنا السياسية:
لقد حاولت أن تُـقنع العراقي:
- بأن الحياة أهمُّ من الكرامة.
- وأن الراتب أهمُّ من الحرية.
- وأن السلامة الشخصية أهمُّ من المبدأ.
لكن التاريخَ علّـمنا حقيقةً لا تتغير:
إن الشعوب التي تبيع كرامتها لتعيش لا تعيش طويلاً.
إرسال تعليق