
إيـــاد الإمـــارة
لم يعد خافياً على المتابعين أن مشروع ما يُـعرف بــ
”إسرائيل الكبرى”
الذي يتبناه الكيان الصهيوني الإرهابي ليس مجرد خطاب أيديولوجي أو حلم تاريخي، بل هو:
[تصور جيوسياسي]
يستند على قاعدة دينية صرفة، ويقوم على إعادة تشكيل المنطقة وفق معادلات القوة والنفوذ ..
وفي هذا السياق، كثيراً ما يُـساء فهم موقع إيران الإسلامية داخل هذا المشروع، إذ يُـظن -من الغالبية- أنها هي الهدف المباشر، بينما الحقيقة الأكثر تعقيداً أن الهدف المباشر هو العراق بالدرجة الأساس ودول أخرى في المنطقة ..
نعم أن إيران الإسلامية هي العقبة الكبرى التي يجب تجاوزها لتحقيق هذا المشروع الصهيوني الإرهابي -خارج الأرض الأمريكية- الذي منه العراق بجغرافيته المعروفة.
إن العراق، ليس بما يمتلكه من موقع جغرافي حيوي وثروات هائلة وعمق حضاري وتاريخي فقط، وإنما من منظور عقائدي أيضاً، يمثل حجر الزاوية في أي مشروع صهيوني إرهابي توسعي في المنطقة ..
السيطرة على العراق أو إضعافه تعني فتح الطريق أمام إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وهو ما يدركه صانع القرار الصهيوني جيداً ..
لكن الهدف العراقي لا يمكن تحقيقه بسهولة، لأن إيران الإسلامية تشكل -بحكم موقعها الجيوسياسي وقدراتها العسكرية وشبكة تحالفاتها- خط الدفاع الأول عن العراق وعن قوى أخرى في المنطقة في فلسطين ولبنان، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ..
من هنا، فإن فكرة:
“تحييد إيران”
الصهيوامريكية الإرهابية ليست خياراً تكتيكياً فحسب، بل هي شرط استراتيجي لفتح الساحة العراقية أمام الاستهداف الكامل ..
لكن السؤال الأهم:
هل هذا التحييد ممكن فعلاً؟
الوقائع تشير إلى أن تحييد إيران الإسلامية ليس بالأمر السهل أو بالأمر الممكن ..
فالدولة الإيرانية الإسلامية، رغم كل الضغوط والعقوبات والهجمات التي تُـشن عليها الآن بضراوة، أثبتت قدرة عالية على:
١- التماسك الداخلي.
٢- وبناء منظومة ردع متعددة الأبعاد، تمتد من القوة العسكرية إلى النفوذ الإقليمي ..
كما أن أي محاولة لعزلها أو ضربها بشكل حاسم غير مجدية ولن تحقق نجاحاً، وقد تؤدي إلى انفجار إقليمي واسع
"حرب عالمية ثالثة"
وهو ما يجعل هذا الخيار متعذراً أو مستحيلاً.
لكن، في المقابل، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في نجاح أو فشل تحييد إيران الإسلامية، بل إن الخطر الحقيقي في هشاشة الداخل العراقي نفسه ..
فالعراق اليوم يعاني من أزمة بنيوية عميقة:
١- حكومة ضعيفة ومنحازة إلى أطراف ليس منها المصلحة العراقية الوطنية.
٢- قوى سياسية تكاد تكون هزيلة وهي متنازعة في ما بينها وتتحرك بلا رؤية استراتيجية.
٣- وانقسام داخلي يفتح الأبواب أمام كل الإحتمالات بما فيها أشكال التدخل الخارجي المختلفة.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة:
حتى لو فشلت محاولات تحييد إيران الإسلامية، فإن العراق قد يظل عرضة للخطر إذا استمر وضعه الداخلي على هذا النحو.
لأن الدول لا تُـستهدف فقط عندما تكون ضعيفة عسكرياً، بل عندما تكون مفككة سياسياً ومنهكة اجتماعياً.
إن مصير العراق بعد هذه الحرب -أو في ظل تصاعدها- سيتحدد وفق معادلتين أساسيتين:
الأولى: قدرة إيران الإسلامية على الاستمرار كقوة ردع إقليمي.
والثانية: وهي الأهم، قدرة العراق على إعادة بناء نفسه من الداخل.
فإذا بقيت القوى السياسية بلا بوصلة، واستمرت الدولة في حالة الترهل، فإن العراق قد يتحول إلى ساحة صراع مفتوح، تُـدار فيه الحروب بالوكالة، وتُـستنزف فيه الإمكانيات دون تحقيق أي سيادة حقيقية ..
أما إذا أدركت النخب السياسية -وهي لن تُـدرك- حجم التحدي، وبدأت بإعادة بناء مشروع وطني حقيقي، فإن العراق يمكن أن يتحول من هدف إلى لاعب، ومن ساحة صراع إلى مركز توازن، [وهذا لن يحدث].
إرسال تعليق