
ناجي الغزي
*المحور الأول: الإعلام بين التحليل وتصفية الحسابات*
لم يعد مستغرباً أن تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى منصات لتصفية الحسابات السياسية تحت غطاء "التحليل السياسي". لكن المعيب حقاً أن يُستضاف على شاشاتها من يكرر سرديات مستهلكة، سطحية، وموجّهة، هدفها النيل من تجربة السيد نوري المالكي لا تقييمها. هؤلاء لا يمارسون نقداً سياسياً، ولا تقييماً منصفاً لتجربة مهمة في تاريخ العراق، بل يؤدون أدواراً مدفوعة الثمن، يرددون ما يُطلب منهم، ويعيدون إنتاج خطاب مُعلّب يخدم خصومات بعينها. هم لا يناقشون الوقائع، بل يختارون منها ما يناسب أجنداتهم، ويتجاهلون عمداً السياق التاريخي الذي حكم تلك المرحلة. أي إنصاف هذا الذي يتجاهل المرحلة التي تولّى فيها المالكي رئاسة الحكومة لم تكن ظرفاً طبيعياً يمكن قياسه بمعايير الاستقرار. بلد خارج من حروب وحصار، ودولة خارجة لتوّها من عقود استبداد، وحصار خانق، ثم احتلال مباشر. ومؤسسات منهارة، دولة بلا جيش حقيقي، بلا أجهزة أمنية مستقرة، بلا مؤسسات راسخة. كانت الدولة مجرد هيكل هش، والخراب متجذر في كل مفصل من مفاصلها. واقتصاد مثقل بالخراب. في مثل هذه البيئة، لم يكن الحديث عن "إدارة اعتيادية"، بل عن إعادة تأسيس دولة على أنقاض فراغ شامل. ومع ذلك، يُطلب من الرجل أن يُحاسَب وكأنه استلم منظومة مستقرة تعمل بكفاءة!
*المحور الثاني: معركة الدولة ضد الفوضى*
السنوات التي أدار فيها المالكي الحكومة كانت سنوات صراع مفتوح مع الإرهاب والجماعات المسلحة الخارجة عن القانون. في تلك السنوات خاض العراق معارك مصيرية، تم تنفيذ عمليات أمنية مفصلية أعادت هيبة الدولة إلى مدن كانت خارج السيطرة. كما شهدت تلك المرحلة جدولة انسحاب القوات الأمريكية وفق الاتفاقية الأمنية، وهو حدث سيادي لم يكن تفصيلاً عابراً في تاريخ العراق الحديث. ولم يكن تثبيت المسار الدستوري وبناء مؤسسات الدولة أمراً سهلاً في ظل استقطاب سياسي داخلي حاد وضغوطات إقليمية هائلة ومعقدة. لكن ماذا يفعل "محللو الصدفة"؟ الذين أصبحوا ظواهر صوتية، يقفزون بين الشاشات بمشهد مقرف، يكرّرون السرديات ذاتها، ويتجاهلون كل تلك التحديات، ويختزلون التجربة في عناوين انتقائية. يتحدثون عن "سنن سيئة" وكأنهم كانوا يعيشون في سويسرا سياسية، لا في عراق يتفكك يومياً تحت نيران الطائفية والإرهاب والتدخلات الخارجية.
*المحور الثالث: بين النقد المشروع والتشويه المتعمد*
النقد حق، بل ضرورة في أي نظام ديمقراطي. لكن ما يجري في بعض المنابر يتجاوز النقد إلى صناعة سرديات انتقائية تختزل تجربة كاملة في عناوين جاهزة. يتم تجاهل السياق، وإسقاط الظروف، وتقديم قراءة مبتورة تخدم خصومة سياسية أكثر مما تخدم الحقيقة. وتناسى بعض المنتقدين أيضاً أن تجربة المالكي لم تكن مجرد إدارة أزمة، بل كانت إدارة مرحلة انتقالية خطرة أعادت للعراق قدراً من التماسك بعد سنوات من الفوضى. ويغيب عن هذا الخطاب أن تقييم أي تجربة سياسية يجب أن يتم ضمن سياقها التاريخي لا خارجَه، وبميزان الإنصاف لا بميزان الخصومة. وبما إن النقد حق مشروع، لكن الفارق كبير بين النقد الموضوعي وبين البخس والتشويه. فليس من أخلاقيات الخلاف السياسي أن يُختزل تاريخ رجل في رواية انتقائية، ولا أن يُتعامل مع مناصب سيادية وكأنها مجرد أدوات صراع إعلامي. والأخطر من ذلك، أن بعضهم يحاول تصوير التفاهمات السياسية التي كانت ولاتزال كأنها خطيئة تاريخية، بينما كانت في حقيقتها أدوات بقاء لنظام سياسي ناشئ كان يمكن أن ينهار بالكامل لولا تلك التوازنات المعقدة. السياسة في تلك المرحلة لم تكن ترفاً نظرياً، بل إدارة أزمة وجود. إن من يستجدي القبول والرضا الخارجي الإقليمي والدولي قبل أن يستمد شرعيته من شعبه، يفقد الحق الأخلاقي والسياسي في الحديث عن السيادة. فالشرعية لا تُستورد، ولا تُمنح بختمٍ خارجي، بل تُستمد من الإرادة الشعبية ومن الثقة الوطنية.
*المحور الرابع: السيادة بين الضجيج والوقائع*
السيادة ليست شعاراً يُرفع في المنابر، ولا قراراً يُعلّق على مزاج بيانٍ دولي، ولا موقفاً يُصاغ وفق تغريدة مدفوعة الثمن من الرئيس "ترامب". السيادة موقفٌ مستقل، وإرادة حرة، وقرار يُصنع داخل حدود الوطن لا خارجها. ومن يحوّلها إلى ورقة مساومة على طاولة التفاهمات، هو من ينتقص منها ويُضعفها. أما من يتمسك بها في وجه الضغوط والعواصف، فذلك لا يفرّط بها بل يدافع عنها، مهما اشتدّت الحملات ومهما ارتفعت الأصوات. ثم يأتي بعضهم اليوم ليقدّم نفسه وصياً على الوطنية، بينما كان صامتاً في أحلك اللحظات، أو متفرجاً على انهيار الدولة. من السهل جداً أن تهاجم بعد أن تهدأ العاصفة. ولكن من الصعب أن تقف في عينها. في هذا السرد المختزل، ليس المطلوب أن نقدّس تجربة المالكي، ولا أن ننكر وجود أخطاء، فكل تجربة بشرية تحتمل النقد. لكن المطلوب هو النزاهة في الطرح، لا التشويه المتعمد. الموضوعية لا تعني المديح، لكنها بالتأكيد لا تعني التضليل. الهجوم الإعلامي المنفلت قد يصنع ضجيجاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع حقيقة. ومن يظن أن تشويه الرموز السياسية يمر بلا ارتداد، فهو واهم. فالنار التي تُشعل في ساحات الإعلام قد تعود على من أشعلها، وحينها لن يُجدي الادعاء بأنها كانت مجرد "آراء تحليلية". في النهاية، يبقى السيد نوري المالكي شخصية مفصلية في تاريخ العراق بعد 2003، سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا. وتجربته لا يمكن محاكمتها أو اختزالها بخطاب انفعالي داخل الاستوديو أو بمواقف مدفوعة بالخصومة، بل تحتاج إلى قراءة استراتيجية هادئة تُدرك حجم التحديات التي واجهها، وحجم التحولات التي شهدها العراق في عهده. والتاريخ، مهما حاول البعض إعادة صياغته، يحتفظ بسجله الكامل، لا بالنسخ المدفوعة منه.
إرسال تعليق